من النادر جدًّا أن تملك نظريّة سياسيّة ثلاث صفات سلبيّة: أن تكون لا أخلاقية، بمعنى أنها تحمل ظلمًا بمساواتها الضحيّة بالجلّاد. أن تكون خاطئة بالمعيار العلميّ والموضوعيّ، أي أنها لا تستقيم عند أيّ تدقيق جدّي بصوابيّتها. وأن تكون مضرّة سياسيًّا، للبلد ككلّ وأيضًا للذين يروّجون لها. ولكن النظرية التي يحاول بعض الغوغائيين – أسرى التحجّر الأيديولوجي والحساسيّات التاريخية المرضية و "القواتوفوبيا" – الترويج لها في خضمّ الحرب الإيرانية-الإسرائيلية في لبنان، استطاعت أن تجمع بين هذه الصفات الثلاث. تقول هذه النظرية إن الانقسام في لبنان فيه ثلاثة أجزاء: "حزب اللّه" التابع لإيران، البعض الراغب في الحرب الإسرائيلية (يعنون بذلك كلّ من يواجه "حزب اللّه" بشراسة من أحزاب وشخصيات)، وبين الاثنين توجد مجموعة من "الوطنيين" المتميّزين بـ "اعتدالهم" وبرفضهم الاثنين معًا. إذًا نحن أمام "تطرّفين" واعتدال بينهما يحاول إعادتهما إلى صوابهما و "لبنانيتهما".
أوّلًا في التقييم العلميّ. لا يوجد تطرّفان في لبنان. هناك فريق تابع أيديولوجيًّا للثورة الإسلامية في إيران، يمتلك ميليشيا غير شرعية (بقرار الدولة اللبنانية) وقد شنّ حربين على إسرائيل لأسباب لا علاقة لها بلبنان، واحدة إسنادًا لغزّة والثانية إسنادًا للجمهورية الإسلامية الإيرانية. هذا الفريق قام باستعمال العنف العسكري في الداخل اللبناني، فاغتال شخصيّات سياسيّة وفكريّة وإعلاميّة (من هذه الشخصيّات شهيدا "النهار" جبران تويني وسمير قصير)، واجتاح العاصمة بيروت فارضًا أحكامه على السلطة التنفيذية مدّة خمسة عشر عامًا. قاتل في سوريا واليمن والعراق، وأنشأ خلايا أمنية في الخليج العربي، عزل لبنان عن العالم منهِكًا اقتصاده. أنشأ منظومة المافيا والميليشيا، راعيًا وحاميًا كلّ آلية السرقة والهدر في لبنان التي أوصلتنا إلى الانهيار الماليّ. رفض أيّ حوار لبنانيّ داخلي حول سلاحه مدّة عقدين من الزمن، كون سلاحه جزءًا لا يتجزأ من الحرس الثوري الإيراني ولا جدوى إذًا من الحوار اللبناني حوله. لا يعترف بالدستور اللبناني، ولا يلتزم بآليات النظام الديمقراطيّ. وقف بوجه التحقيقات بانفجار المرفأ وعطّل التحقيق لسنوات. خوّن الرئيس نواف السلام (صهيوني صهيوني) وهدّده بمحاسبته بعد الحرب كونه يترأس حكومة "فيشي" (عمليًا تهديد بالإعدام كما حصل مع الجنرال بيتان الموالي للنازيين). اللائحة تطول لدرجة أنها تحتاج لمجلّدات.
بالمقابل ماذا فعل الفريق "الآخر" حتى يوصف بالتطرّف؟ حمل سلاحًا؟ شنّ حروبًا؟ قام باغتيالات؟ عطّل تشكيل حكومات؟ هدّد ناشطين وقضاة؟ أعلن ولاءه للخارج جهارًا؟ لا شيء من هذا كلّه. طالب بالدولة، والجيش، والقضاء، والمؤسّسات الدستوريّة. دعم الرئيس سلام في قراراته السياديّة عند كلّ منعطف. هل استدرج الحرب على لبنان؟ على العكس تمامًا، رفع شعار "لا للحرب" وخوّن تحديدًا بسبب رفعه هذا الشعار. عقد مؤتمرات ولقاءات متعدّدة رفضًا للحرب، مطالبًا "حزب اللّه" (الذي شنّ الحرب) بالالتزام بالقوانين اللبنانية، منعًا لنشوء أيّ حرب في المستقبل. طالب الدولة بتنفيذ الاتفاق الذي تعهّدت به، تحديدًا كي لا تقوم الحرب التي نعيشها اليوم. وقد أثبتت الأيّام أن هذا "التطرّف" كان على حق، بل إنه كان الأكثر "عقلانية" على الإطلاق.
ليس كلّ من يقف في الوسط بين موقفين يكون "معتدلًا" أو يكون على حق. ينطبق ذلك على أمثلة تاريخية كثيرة، من الفصل العنصري في جنوب أفريقيا إلى نضال النساء البريطانيات من أجل حقهنّ بالتصويت (suffragettes). ينطبق ذلك أيضًا على أمثلة اجتماعية: إن اعتدي على امرأة جنسيًّا، وكان هناك من يطالب بمعاقبة المعتدي، ومن يطالب بتبرئته، وظهر من يسأل عن لباس المرأة وسلوكيّاتها وأخلاقها لإطلاق حكم "معتدل" وهل يكون "الوسط" على حق؟ من أوصلنا إلى الحرب – بما أن هذا هو موضوعنا الأساسيّ – ليس فقط تبعية "الحزب" للحرس الثوري الإيراني، بل سياسات "الوسط المعتدل" التي رفضت التصادم مع "الحزب" لفرض سلطة الدولة و "حصر السلاح"، ممهّدةً بذلك للظروف الموضوعية التي سمحت بانطلاق حرب الإسناد الثانية من لبنان.
لا أخلاقية نظرية التطرّفين ماثلة أمامنا. مساواة الضحية بالجلّاد لأسباب متعلّقة بعقد تاريخية لم تعد تنطلي على أحد، بل تدين قائليها، المتمترسين دائمًا خلف ستار "أخلاقي" مزيّف. هذه النظرية تكملة رديئة لشعار "كلّن يعني كلّن"، الذي أطلقه بعض ناشطي ثورة تشرين، مساوين بذلك بين مجموعات شاركتهم التظاهر والأهداف العملية وبين ميليشيا قتلتهم ورعت وحمت سارقيهم. كما أسدل الستار على النظرية الأولى وحلّت مكانها مقولة المافيا والميليشيا، ستثبت الأحداث زيف نظرية "التطرّفين" وتودي بقائليها إلى مجاهل التنظيرات اللبنانية "الخنفشارية".
أمّا "الطريق الثالث" الذي يدّعي قائلو النظرية بمحاولة صياغته بين "تطرّفين" فهو طريق ما يعرف عالميًّا بالـ "useful idiots". وهو تعبير راج في الغرب في القرن المنصرم في محاولة لوصف اليساريين الذين كانوا يبدون تعاطفًا مقنعًا مع الاتحاد السوفياتي (لا مصداقية لأيّ شخص مسحور بـ "جمول" ولكنه يرفض "حزب اللّه") ومعاداةً لسياسات الغرب "المتطرفة" تجاهه، متجاهلين عن جهل أو خبث النتائج الكارثية لفعلتهم هذه. يستعملهم الطرف المستفيد (في حالتنا "حزب اللّه") لتثبيت سرديّته وأهدافه، ويخلقون انقسامًا مزيّفًا داخل الصف الواحد بدل التضامن مع مراعاة التمايزات الطبيعيّة داخل أي فريق.
لا يوجد في لبنان – في ما خصّ الحرب والسلم - ثلاث "مجموعات"، بل مجموعتان لا ثالثة لهما. من يدعم الدولة والجيش والقضاء ومن يدعم الميليشيا والحروب والتبعيّة للخارج. أمّا إذا أصرّ البعض على تقسيمنا لثلاثة أجزاء، فالجواب واضح: في لبنان من مع الدولة، ومن مع الميليشيا، والـ useful idiots.