في الميثولوجيا الهندوسية يمثل شيفا المدمر نقطة النهاية التي تفتح الباب أمام براهما الخالق ليعيد تشكيل دور جديد، فيما يدمر شيفا عمل وكيان فيشنو فهو يفتح الباب أمام الخلق الجديد. شيفا ينفذ عمله في رقصة الخراب: رقصة تاندافا.
لتأسيس الخراب الكوني وقطع العصب الضوئي الذي يربط العالم على ضفتي الخط السبعين لا بد من شيفا، والشيفا يجب أن يكون مارقا ليخرج من التاريخ مع نهاية الخراب ويفتح الباب أمام خلق جديد وفيشنو جديد.
من يتأمل المستجدات التي ألمت في الاسبوع المنصرم، يستطيع أن يلتمس بفكره رقصة تاندافا التي بدأت اهتزازاتها، واليوم بعد 38 يوما على بدء عملية الغضب الملحمي وإغلاق "مضيق لوكربي"، عفوا مضيق هرمز، نجد الصحفي الاسرائيلي أيدي كوهين يغرد مساء الثلثاء 07 نيسان 2026 مبتدئا:"الآن والحرب على الأبواب"، وكأن الثمانية وثلاثين يوما من الدمار والشهداء والعويل والتضحيات لم تكن حربا، فما هي الحرب إذًا.
منذ أربعة أيام طالعتنا الصحف ووكالات الأنباء بخبر عن شح في مخزون الصواريخ الشبحية جاسم AGM-158-JASSM، وأخبار عن ضرورة تخصيص خطوط انتاج لضمان انتاج 800 صاروخ سنويا مع كلفة تقديرية للصاروخ بمليون ونصف دولار أميركي في الاحوال العادية، لكن أحدٌ لم يصرح كم تبلغ كلفة تخصيص خطوط الانتاج لانتاج آلاف من هذه الصواريخ، ومن المطلوب منه أن يسدد هذه التكلفة، وهل هذه الحرب "الباهظة التكلفة" ستدفع تكلفتها من الترليونات الاربعة أم أن ترليونات جديدة ستضخ في جيب اليد العاملة الاميركية، فاقتصاد الحرب كفيل بتحريك الأسواق الكاسدة سواء في الحرب أو في إعادة الاعمار، وهنا هل سيذكر المكلف الاميركي بعد سبعة أشهر تكلفة غالون البنزين المرتفعة أم الرواتب والحوافز المتدفقة إلى جيبه، وهل سيذكر بعد أن يسدد قرض منزله، ويشتري سيارة جديدة خطابات روبرت دينيرو أكثر مما سيذكر دوره في هزلية The Intern؟
صفق جمهور الممانعة لإقالة أو استقالة راندي جورج، ومعه أكثر من دزينة من الحرس القديم الاميركي، لكن أحدهم لم يقرأ لبيت هيغسيث Pete Hegseth كتاب War On Warriors، ولم يتكلف أحدهم أن يستقرئ مطالعاته الاعلامية على Fox News، ولا أن يراجع ماقاله امام الكونغرس في الـConfirmation Hearing التي استهلها أنصاره بهتاف USA ذي الرمزية الشعبوية المعروفة. الرجل ببساطة هو النسخة العسكرية عن ماركو روبيو وجي دي فانس، وجاريد كوشنير، هؤلاء جيل New Fantasy Land و Universal Studios حيث خرجت الشخصيات السينمائية والكرتونية والأبطال من المجلات المصورة ومن الشاشة وأصبحت واقعا ملموسا مجسدًا، الطفل الذي نشأ في الولايات المتحدة وانتمى إلى الطبقة الوسطى في الثمانينات زار تلك المواقع ولمس بيده وعينيه Luke Skywalker يقفز وهو يقاتل الروبوتات وعسكر الامبراطورية ويهزمهم، من لم يزر أروقة المؤسسات العملاقة التي صممت لتجسيد الحلم الاميركي في عيون الاطفال لن يفهم في ثقافته المهربة عبر أشرطة أفلام عابرة للرقابة الدينية ماهية الثقافة التي يتسلح بها هؤلاء. لا يمكن لمن شاهد ترمب لأول مرة في فيلم Home Alone 2 عبر أشرطة مهربة أن يفقه ماذا يعني تجسيد الصورة المتجلية خلف الشاشة، أما Pete ورفاقه يفهمون.
بيت هيغتس كما ماركو روبيو لا يهتم كثيرا للنظم القانونية والبروقراطية، بل تهمه النتيجة، فكما لا يحبذ روبيو الامم المتحدة ويسعى لتعميم فكرة "مجلس ترمب للسلام" الذي صمم ليختصر أطنان الورق وقرارات مجلس الامن غير الفعالة. إقالة راندي جورج ورفاقه ليست تلبكا معويا في النظام العسكري الاميركي بل تخلصا من الاوزان الزائدة التي حَّملها بايدن على المنظومة العسكرية الأمنية في الولايات المتحدة.
في الحلقة الخامسة من الموسم الثالث من Casa Del Papel شرح Alex Pina بطريقة مبتذلة على لسان باليرمو عقلية السياسية العالمية الحالية: Boom Boom Ciao، فالنظام العالمي الحالي الذي يديره خريجو ثقافة Fantasy Land وUniversal Studios لا يهتمون إن دمروا ليبيا لأسباب شخصية، أو تركوا 75 مركبا يغرقون في المتوسط أو غضوا الطرف عن مجموعة ارهابية في جنوب فرنسا، كما جاء على لسان الكولونيل، طالما أن المصالح مؤمنة، والغريب أكثر موقف العامة التي تتظاهر تاييدا لعصابة من اللصوص تسطو على المصرف المركزي وتسطو على احتياطي الذهب طالما أن ذلك يشعل حماسها، والأغرب كيف أن المشاهدين يتعاطون بازدراء مع عنصر الامن الذي رفض الانصياع لأوامر دنفر، وهذا ليس مشهدا دراميا بل هو انعكاس حقيقي لحالة الجماهير التي تأكل الـ Big Mac وتبحث عن الحماس المضر وهي تنسال من كل حدب على مطاعم الماكدونالدز حتى لو قدَّم لحم ضب. مسلسل بيت الورق نال شعبية غير مسبوقة وراح المغنون يتسابقون على تجسيد هذه الشخصيات: الجماهير عادة تتأثر بالعاطفة المغلوطة وترفض البطل الحقيقي العقلاني. هذه الجماهير نزلت اليوم إلى الشوارع في طهران تلبية لقرار من يتخذ العالم رهينة في مضيق هرمز: والذي قرر أن يتخذ جماهير شعبه رهينة ودروعا بشرية زودا عن حكمه "الخراساني".
في العام 1956 واجهت مصر عبد الناصر العدوان الثلاثي، الذي بدأ بغلق مضيق تيران وقناة السويس وانتهى بضمان حق اسرائيل في ملاحة تلك المياه تحت أنف وعيون الجندي الذي استبسل في بور سعيد، الجماهير لم تنتبه لهذه النتيجة لكنني نشأت على أخبار بطولة جول جمال الضابط السوري الذي فجر بزورق طوربيدي المدمرة العملاقة Jean Barte، جول جمال الارثوذكسي ابن المقاوم يوسف جمال، لم يتصور وهو يصطدم بالمدمرة ويعطبها أن سلالته سترجع ذمية بعد قرن من النضال والمقاومة وأن شبان السقيلبية سيذبحون ويعتقلون لأنهم حاموا عن كرامة بنات القرية.
بعد 05/06/1967 و"النكسة"، انتقل النضال والكفاح القومي إلى خطف الطائرات من اختطاف طائرة العال وصولا إلى عملية لوكربي، فتلك العملية لم تكن فقط خاتمة الاعتداء على الطيران المدني بل كانت بداية نهاية الجماهيرية الليبية وبدء عصر الاسلام السياسي الذي افتتح العصر بعمليات خجولة وصولا إلى 11 أيلول 2001، وكانت الضحية دائما حركة المسافرين وقيمة جوازات سفر دول الطوق والممانعة التي تدنت تدريجيا حتى أصبحت هويتهم تهمة في مطارات العالم.
ولكن الجماهير المقهورة أمام شباك المطار والتي تعيش في أدنى مستويات ومؤشرات التنمية البشرية، تصفق وتلعن وتشجب وتشتم وتقف كما وصفها نزار قباني خلف الامام لتقول: "اللهم امحق دولة اليهود"، والناس قانعون يهتفون يحرقون الـKFC على شارع البولفار في طرابلس ليستشهد في 14/09/2012 طرابلسي كان يسعى في مناكبها ليؤمن قوت عائلته.
هذا المواطن العادي المنبثق من مسرحية "بخصوص الكرامة والشعب العنيد" لا يهم أحد، ولا يهتم لجراحاته أحد، وهو مسمَّر اليوم أمام التلفاز يحلل سقوط الـ"F15E Strike Eagle" فوق جبال زاغروس مقابل عيلام، فيما يتساءل عن الرابط بين سقوط الطائرة هذا مع سقوط اعصار من درونات "شاهد" دون طلقة واحدة ودون خدش بسيط في مسار مواجه، ويحلل هذا السقوط بأنه استخدام تجريبي لسلاح متطور يعتمد على النبضة المغناطيسية.
يحبس العالم أنفاسه إثر كل تصريح لترمب، ويتبارى التحليل لاستقراء السلاح النووي الذي سيتم استعماله، ولكن:
ترمب لن يعبر فوق حطام الباسيج والحرس الثوري ليكون ترومان الثاني، ولن يعبر فوق جبل من الدماء، فهذه الصورة ستحوله إلى بطة عرجاء وسيكون هو المنتصر المهزوم، لكن في جعبة البنتاغون الكثير من الاسلحة التي لم يكشف عنها وبالتأكيد لا تُظهر بيانات مستودعات السلاح الاميركي نقصا في صواريخ "جاسم" ولن يقبل ترمب بأن يبلع لسانه، بل سيستعمل إن اضطر النبضة المغنطيسية التي ستقضي بضربة واحدة على الطاقة الكهربائية والسلاح الايراني المتطور وسيعيد إيران إلى العصر الحجري ويقضي على تطورها دون أن يسفك قطرة دماء واحدة. هذا ما لم تنجح الدبلوماسية السعودية في تأجيل المحتوم.
ضربة الـEMP لن تسقط النظام الايراني، ولا يريد ترمب أن يسقط هذا النظام، ولا يهتم فريقه طالما أن هذا الفريق سيحقق الـBoom Boom وسيقول Ciao للمنطقة لتلملم ذيول عارها، لكن في المقابل قد يتمكن الحرس الثوري من قطع كابل الألياف الضوئية ليرد بضربة متناظرة، وهنا سنشهد الفصل التكنولوجي من حرب الـ 5G التي كان من فصولها توقيف منغ وانزو Meng Wanzhou الرئيسة التنفيذية لشركة هواوي في العام 2018 واستثمارات اليابان الطاقوية التي أعلنت عنها زيارة ساناي تاكاياشي Sanae Takaichi إلى المكتب البيضاوي في مطلع العام 2026، فـBaidu ليس فقط بديلا عن Google بل هوعنوان بناء مرحلة ما بعد رقصة تاندافا، وقطع الكابل البحري سيكون بداية زمن جديد والخطوة الممهدة للخط السبعين، والتي سيقدم عليها "جماعة مارقة" أقدمت عليها في سياق "خروجها من التاريخ"، وعلى العالم أن يتعايش ويتأقلم مع آثارها.
في هذا الزحام الغريب، وفيما تحجم دول الناتو عن دعم ترمب، وتستحضر جفاءً لم يبدأ مع بيع فرنسا ذهبها في فورت نوكس، وتعويضه بذهب أوروبي، ولم ينته في مؤتمر دافوس وخطبه اللاذعة. تتجه أوروبا رويدا للسقوط بيد اليمين المتطرف، فيما الشرع يغض الطرف عن الاعتداء على السفارة الاماراتية في دمشق، ونفاجأ بالناتو يلزم هاكان فيدان أن يستحضر زيلنسكي إلى دمشق في تحد سافر للدب الروسي، فالناتو لم يكتف أن تحدى النسر الأميركي، بل ذهب الى استفزاز الدب الروسي، وعلاقته مع التنين الصيني ليست بأحسن الأحوال، هذا السلوك الانتحاري لا يمكن أن يستقرأ إلا كنوع من القفز من فوق الجرف، ربما يفيد الحراك طالما أن الصمت لن يفيد كوريا الجنوبية التي تعاني آثار انقطاع الهيليوم، فسقوط كوريا الجنوبية وخروجها من الضفة الغربية من الخط السبيعن الرقمي، سيفتح الباب مشرعا أمام هواتف وتقنيات "أبل" بعد أن تتخلص من منافسة سامسوغ في السوق الغربي.
فيما العالم يسير نحو العالم الرقمي الجديد ليخضع لثنائية قطبية رقمية بين الـG2 الأقوى تقنيا، نرى جماعة الصمود والتصدي يدافعون عن مواقف شاعرية وعن علاقتهم بإيران وأذرعها كما دافع هلسنكي عن علاقة بباليرمو فيما كانت نيروبي تستحضر فيه الكرامة: إشكالية العقل الواعي والذي ينصح إخوانه بالابتعاد من أمام قطار خط السبعين،هي أن مصيره سيكون كمصير نيروبي في الجزء الثالث حيث سيتم إخراج العقل من المسلسل لصالح الجنون.
في الختام اتمنى معرفة ما سيكون موقف هلسنكي عندما يشاهد رشة العطر الترمبي الثانية في المكتب البيضاوي على المرشد الجديد او أحد مبعوثيه.