حين يُعلَن وقف إطلاق النار بعد حرب مدمّرة، يبدو المشهد واضحًا للعين المجرّدة: قتلى من القيادات والعسكريين والمدنيين، آلاف الجرحى، مدن وقرى مدمّرة، واقتصاد ينهار أكثر. ومع ذلك، يخرج خطاب يقول ببساطة: انتصرنا. هنا لا يعود السؤال عمّا حدث، بل كيف يُعاد تعريف ما حدث.
في هذا النوع من الخطاب، لا تُقرأ الوقائع كما هي، بل يُعاد تركيبها ضمن سردية متكاملة تغيّر المعايير نفسها. أول خطوة هي نقل معنى النصر من كونه نتيجة ملموسة إلى كونه سلوكاً. لم يعد النصر يعني تحقيق أهداف واضحة أو حماية المجتمع من الخسائر، بل يكفي "الصمود" وعدم الانهيار الكامل. بهذه الحركة، يصبح من شبه المستحيل إعلان الهزيمة، لأن البقاء بحد ذاته يُقدَّم كإنجاز.
ثم تأتي خطوة فصل النتيجة عن الكلفة. الدمار والضحايا لا يُستخدمون كمقياس للحكم، بل يُعزلون عن التقييم. يُقال إن هذه التضحيات كانت ضرورية، وكأن السؤال عن جدواها غير مشروع. وهنا يحدث التحوّل الأخطر: الخسارة، التي يفترض أن تُناقَش وتُحاسَب، تتحوّل إلى “قيمة أخلاقية” لا يجوز الاقتراب منها. حين تصبح الخسارة "تضحية"، يتبدّل موقعها في الوعي العام: من موضوع مساءلة إلى موضوع تبجيل.
ولكي تكتمل الصورة، يُعاد توسيع ساحة المعركة. لا يُنظر إلى ما جرى في القرى المدمّرة أو المدن المنهكة كحدث قائم بذاته، بل كجزء من معركة أكبر، إقليمية أو تاريخية. هذا التوسيع يسمح بتذويب الخسارة المباشرة في سردية أوسع يصعب قياسها. قد يخسر المكان، لكن يُقال إن "المسار العام" انتصر.
في الوقت نفسه، يُعاد تعريف النتيجة عبر نوايا الخصم. لا يُسأل: ماذا حصل فعليًا؟ بل: ماذا كان يريد العدو؟ وإذا لم يحقّق كل ما أراد، يُقدَّم ذلك كدليل انتصار، حتى لو تحقّق جزء كبير من الضرر. وهنا ينتقل النقاش من الواقع إلى الافتراض، من الوقائع إلى النوايا.
ويُستكمل هذا المسار عبر مقارنة الواقع السيّئ بسيناريو أسوأ متخيَّل: "لولا ما جرى، لكانت الكارثة أكبر". بهذه الطريقة، يصبح ما حدث—رغم قسوته—أفضل الممكن، لا نتيجة خيارات يمكن مناقشتها. إنها مقارنة مع ما لم يحدث، لا مع ما كان يجب أن يحدث.
لكن كل هذه الآليات لا تكفي وحدها إذا بقي النقاش مفتوحاً. لذلك يدخل عنصر أساسي: التخوين. عندما تتّسع الفجوة بين الواقع والخطاب، يصبح من الضروري ضبط النقاش. كل من يسأل عن عدد القتلى، عن جدوى الحرب، أو عن حجم الدمار، قد يُصنَّف كمشكّك أو كمن يخدم العدو. هنا يتحوّل الخلاف من نقاش سياسي إلى اتهام أخلاقي. لم تعد القضية: هل ما جرى كان صائباً؟ بل: هل أنت معنا أم ضدنا؟
ومع تصاعد هذا المنطق، يظهر شكل من الانقلاب على الداخل. فبدل أن يكون السلاح موجهاً فقط إلى الخارج، يتحوّل إلى عنصر حسم داخلي ولو سياسياً وإعلامياً. يُقال ضمنياً إن من يملك القوة هو من يحدّد الاتجاه، وإن أي اعتراض قد يعرّض "الإنجاز" للخطر. هكذا تتراجع فكرة الدولة كمرجعية جامعة، لمصلحة معادلة بديلة تفرض نفسها بقوة الأمر الواقع.
في هذه المرحلة، يُعاد تثبيت الرابط بين السلاح والنصر: "هذا ما حمى البلد". وبذلك، يصبح أي نقاش حول بدائل أو حول دور الدولة وكأنه تهديد مباشر لما تحقق. التخوين هنا لا يكون فقط دفاعاً عن رواية، بل أداة لحماية توازن سياسي قائم.
في النهاية، ما يجري ليس إنكاراً للخسارة، بل إعادة تعريف لها. الخسارة تُمحى كمفهوم مستقل، وتُعاد صياغتها كجزء من الانتصار نفسه: الضحايا يصبحون دليلاً على الصمود، الدمار يصبح دليلاً على شراسة المعركة، والاستمرار يصبح دليلاً على التفوّق.
لكن هذا يطرح السؤال الذي بدأنا به: إذا كان كل هذا انتصارًا، فكيف تكون الخسارة؟
الخسارة، في هذا المنطق، لا تُقاس بالدمار ولا بالضحايا، بل بشيء واحد فقط: الانهيار الكامل أو الاستسلام الصريح. أي شيء دون ذلك يمكن إعادة تسويقه كانتصار.
وهنا تكمن المفارقة. حين يُختزل معيار الخسارة إلى الحدّ الأقصى فقط، يُلغى عملياً أي مجال للمحاسبة أو التقييم. تصبح كل النتائج بين "السيّئ جداً" و"الكارثي" قابلة للتقديم كنجاح. ومع الوقت، لا يعود الخطاب يهدف إلى وصف الواقع، بل إلى السيطرة على معناه حتى لو كان الثمن أن تبقى الأسئلة الحقيقية معلّقة، بلا إجابة.