تُروى أحداث الشرق الأوسط غالبًا كسلسلة من الحروب المنفصلة: من حرب الخليج الأولى، إلى الغزو الأميركي للعراق، وصولًا إلى الحرب اليوم مع إيران. غير أنّ هذه السردية، رغم شيوعها وترسّخها في وعي السواد الأعظم من الناس، تُبسّط واقعًا أكثر تعقيدًا. فخلف هذه المحطات المتعاقبة، يمكن رصد خيط استراتيجي واحد يتبدّل شكله عبر الزمن، لكنه يحافظ على منطقه العميق. ولعلّ أفضل مفتاح لفهم هذا المسار ليس نظرية حديثة، بل حكمة قديمة تختصر المأساة: "أُكِلتُ يوم أُكِلَ الثور الأبيض."
عندما اندلعت حرب الخليج الأولى عام 1990، بدا المشهد الدولي في ظاهره واضحًا: تدخل دولي لإخراج العراق من الكويت. غير أنّ القراءة الاستراتيجية، كما يعكسها منطق هنري كيسنجر، تكشف أنّ ما جرى تجاوز مسألة "التحرير" إلى إعادة تشكيل توازن القوى في المنطقة. فالحرب، في جوهرها، لم تكن مجرد تحرير الكويت من الجيش العراقي، بل خطوة ضمن مشروع أوسع لتثبيت ميزان قوى جديد يمنع هيمنة أي دولة إقليمية، ويعيد إدماج منطقة مخزون الطاقة العالمية ضمن نظام دولي تشرف عليه الولايات المتحدة، بما يرسّخ حضورًا أميركيًا عسكريًا وسياسيًا طويل الأمد في الخليج. بهذا المعنى، شكّلت الحرب على العراق بداية مرحلة، لا نهايتها.
غير أنّه، سواء كان الأمر نتيجة تخطيط أميركي مسبق يهدف إلى منح إيران هامشاً من الصعود لتسهيل استهدافها لاحقاً، أو ناجماً عن سوء تقدير أميركي للمخاطر، واستغلال إيران لمجموعات سنية متطرفة مثل القاعدة وأخواتها لمقاومة الجيش الأميركي وإحداث خلل بنيوي عميق في المخطط الأميركي لإعادة بناء العراق، فإن النتيجة في كلتا الحالتين كانت واحدة: فقد تمكنت إيران من استثمار الفراغ الذي خلّفه تفكك الدولة العراقية، لا سيما بعد عام 2003، لترسّخ موقعها كقوة إقليمية صاعدة. هذا التحوّل وضعها في صلب الاستهداف الأميركي ضمن استراتيجية واسعة المدى، يبدو أنها صُمّمت مسبقاً لإعادة تشكيل توازنات المنطقة وضبط إدارة مخزون الطاقة العالمي.
بناءً على ما سبق، لم يعد التحوّل الاستراتيجي في المواجهة يقتصر اليوم على الوسائل العسكرية والاقتصادية والاستخباراتية والتكنولوجية فحسب، بل امتد إلى جوهر طبيعة الصراع ذاته. لم يعد التنافس مجرد صراع نفوذ، بل تحوّل أيضًا إلى مواجهة مدمرة بين نموذجين متناقضين: النموذج الأميركي الذي يسعى إلى ترسيخ نظام دولي جديد تتحكم فيه المصالح الأميركية، والنموذج الإيراني ذي الطابع العقائدي، القائم على مفهوم "ولاية الفقيه" والساعي إلى استعادة أشكال الإمبراطوريات الدينية القديمة. وفي هذا السياق، أصبحت المواجهة أكثر تعقيدًا، متجاوزة الحسابات السياسية التقليدية لتصل إلى صدام في الرؤى والهويات، ما يجعل تحليلها وفهم دينامياتها أمرًا بالغ الصعوبة.
وكما في حكاية الثيران والأسد، يتكرّر المنطق ذاته مع كل مرحلة: تفكك أولًا، ثم مواجهة. هذه القراءة لا تفترض وجود مؤامرة بقدر ما تكشف آلية متكررة: الفراغ يولّد قوة جديدة، وهذه القوة تتحول لاحقًا إلى هدف للصراع.
ومن زاوية أخرى، يقدّم ستيفن والت تفسيرًا مكمّلًا: الدول لا تتحرك فقط وفق الوقائع، بل وفق إدراكها للتهديد. فإسرائيل ترى في إيران خطرًا استراتيجيًا متصاعدًا يهدد وجودها ويقوّض مشاريعها، فيما ترى إيران في الوجود الأميركي في الخليج والعراق تهديدًا دائمًا لمصالحها وأمنها. هذا الإدراك المتبادل يُنتج حلقة تصعيد متدحرجة، تتضخم مع الوقت إلى حدّ يصعب كسرها، إلا بكسر أحد أطرافها.
ويزداد المشهد تعقيدًا مع ما يشير إليه جيانغ شيويه تشين من فجوة في الفهم بين الأطراف؛ إذ يقرأ كل طرف سلوك الآخر ضمن منظومته الخاصة. فما يُعتبر دفاعًا لدى طرف، يُفسَّر كتهديد لدى الآخر. وهكذا، لا تستمر المواجهة بسبب تضارب المصالح فحسب، بل أيضًا بسبب سوء قراءة النوايا، ما يجعل أي تهدئة مجرد هدنة مؤقتة تفرضها موازين القوى، بانتظار جولات أكثر حدّة.
من حرب الخليج الأولى إلى الحرب الحالية مع إيران، لا يبدو أننا أمام حروب منفصلة، بل أمام مسار واحد يتخذ أشكالًا متعددة، فيما يبقى المنطق ثابتًا في عالم تتداخل فيه حدود الحرب والسلم، والمصالح والاقتصاد، والنفوذ والمعتقدات الدينية. عالمٌ يبدو فيه الصراع وكأنه قدرٌ دائم لا ينتهي.
أما الدرس الذي يتكرر، فهو ذاته الذي لخّصته الحكاية القديمة: "أُكِلتُ يوم أُكِلَ الثور الأبيض."فالسقوط لا يبدأ لحظة الهجوم… بل لحظة اختلال التوازن.