الموسيقى تصنع المعجزات!

عمر حرفوش يعزف للسلام في دبي على وقع الهدنة

4 دقائق للقراءة

شكّل حفل المؤلف والعازف الموسيقي عمر حرفوش في دبي علامة فارقة في مسار المنطقة، إذ جاء في لحظة بدأ فيها المشهد يتبدّل. ويبدو أن وجه حرفوش كان خيرًا على الخليج العربيّ وأن السلام بطريقة ما يحاول شق طريقه ليفرض نفسه من جديد ولو بصعوبة. حيث وبعد عزفه للسلام في مدينة تأسر العالم بجمالها وتتحمل اعتداءات يومية لا علاقة لها بها، تم التوصل إلى إعلان وقف إطلاق النار، وكأن الجميع يطوي صفحة مثقلة بالنار والدمار ليدخل مرحلة جديدة عنوانها الترقب والحذر، ولكن أيضًا الأمل. ومن رحم هذا التحول، بدا أن السلام يحاول أن يجد له موطئ قدم وسط مؤشرات توحي بأن ما بعد هذا الحدث قد لا يكون كما قبله.

في التفاصيل وفي لحظات حرجة وحساسة، شهدت دبي أمسية عاطفية نادرة طغت عليها روح الوحدة، حيث تم تقديم "كونشيرتو من أجل السلام" في قاعة Steinway & Sons، جامعًا جمهورًا مميزًا من مختلف أنحاء دولة الإمارات العربية المتحدة في لحظة إنسانية مشتركة.
قاد الحفل عمر حرفوش - المؤلف الموسيقي وحامل لقب "حاجّ السلام" الذي منحه له البابا فرنسيس - والذي قادته رحلته الفنية والإنسانية إلى بعض من أكثر المسارح رمزية في العالم، بما في ذلك الفاتيكان، روما، المفوضية الأوروبية في بروكسل، ومارالاغو في الولايات المتحدة.
في وقت كان يسود عدم اليقين في المنطقة، اختار حرفوش السفر إلى دبي غير آبه بالتحديات، مدفوعًا بهدف واحد: وضع الموسيقى في خدمة السلام. كما كان حضوره ذا طابع شخصي عميق. فقد صرّح مؤخرًا في مقابلة قائلًا: "دبي هي مدينتي". وكان هذا الحفل، من نواحٍ عديدة، لفتة دعم وإعلان حب لمدينة يحتفظ بها في قلبه.
قُدّم الحفل بمشاركة أوركسترا الحجرة - بمن فيهم موسيقيَّان فرنسيَّان قدما من باريس ضمن رباعيته - حيث امتزجت الأجواء الحميمة بعمق عاطفي مؤثر.
حضر الفعالية جمهور رفيع المستوى، مما عكس أهميتها الدبلوماسية والثقافية. ومن بينهم: إتيان بيرشتولد، سفير النمسا لدى دولة الإمارات؛ ديابي فاكابا، سفير ساحل العاج لدى أبوظبي؛ مارك سيفرز، السفير الأميركي السابق لدى الإمارات؛ أحمد بن سليم، رئيس مجلس إدارة DMCC؛ الدكتور محمد النعمان، رئيس مجموعة الحصن (أبوظبي)؛ الدكتور عبدالله الكعبي؛ الدكتور ماجد السرح؛ إضافة إلى شخصيات بارزة من بينهم ميخائيل ياكوباتشفيلي، علي جابر العطية، عمران حسين، ميرا زايد البلوشي، لؤي شريف، أحمد علي موسى النقبي، وكريم حسن فريد. كما حظيت الأمسية باهتمام إعلامي واسع، ما يعكس الصدى الدولي المتنامي لهذا المشروع.
لكن ما جعل الليلة استثنائية بحق كان الجمهور نفسه. فقد حضر إماراتيون ومقيمون من أبوظبي، الشارقة، عجمان، رأس الخيمة، ومناطق أخرى في شهادة قوية على حاجة جماعية للاجتماع من جديد، والتواصل، ومشاركة لحظة سلام.
طوال الحفل، كان التأثير العاطفي ملموسًا. وكأن الموسيقى التقطت نبض الجمهور في اللحظة ذاتها، وعبّرت أصوات من الحضور عن عمق التجربة.
قالت إحدى الأمهات:
"كانت ليلة مميزة جدًا بالنسبة لنا… رؤية ابنتي سعيدة، ملهمة، ومفعمة بالنور عندما عدنا إلى المنزل بقيت في ذهني. شكرًا لأنكم صنعتم لها هذه اللحظة".
وأضافت أم أخرى، وقد بدت متأثرة:
"إنها فترة غريبة على دبي، والأطفال يشعرون بذلك أكثر من غيرهم. ستسافر مرة أخرى إلى لندن الأسبوع المقبل… أنا ممتنة لأنها حصلت على شيء جميل تتمسك به قبل المغادرة. الموسيقى شفاء".
لقد جسدت هذه الشهادات العفوية جوهر الأمسية: الموسيقى ليست فقط فنًا، بل مصدر راحة وصمود وترابط إنساني.
واختُتم البرنامج بنهاية نابضة بالحيوية والتفاؤل مع مقطوعة "الفانتازيا الشرقية". وقد غمرت الألحان الشرقية الإيقاعية القاعة بطاقة مبهجة، حيث بدأ الجمهور يصفق بانسجام مع الإيقاع، ليملأ المكان فرحًا وحماسة جماعية.
لم ينتهِ الحفل بصمت، بل باحتفال - لحظة مشتركة من الخفة والوحدة والأمل.
لقد أصبح "كونشيرتو من أجل السلام" في دبي أكثر من مجرد عرض موسيقي، بل بات تذكيرًا قويًا بأنه حتى في أوقات عدم اليقين، تبقى الموسيقى لغة عالمية تجمع الناس، وتداوي الجراح، وتؤكد إنسانيتنا المشتركة.