إستال خليل

الوشم على الجسد بين إعلان الانتماء والهوس

5 دقائق للقراءة

لم يعد الوشم مجرّد زينة على الجسد، بل تحوّل إلى لغة كاملة تُكتب بالإبر وتُقرأ بالوجع. بين إعلان عن انتماء يُحفر تحت الجلد وهوّيةٍ تُعاد صياغتها، يقف الوشم اليوم عند تقاطع مُعقد بين التعبير الشخصي والهوس الخفي. فهل ما نشهده هو فن حرّ يروي قصص الأفراد، أم توجُّه يتسلّل تدريجيًا نحو الإدمان والسلوك العاطفي القهري؟


في لبنان، حيث تختلط الأزمات بالتحوّلات الاجتماعية، تكشف الوشوم المرسومة على الأجساد أكثر ممّا تُظهر.

تقول جوليانا كنعان، وهي معالجة بالإيحاء ومدرّبة حياة واختصاصية في علم النفس العصبي والصحة النفس جسدية، إن "الهوس بالوشوم يمثل مزيجًا من إدمان سلوكيّ وبناء هوية وتنظيم عاطفي"، موضحةً في حديث لـ "نداء الوطن"، أن لجوء المرء إلى الوشم "ليس إدمانًا سريريًّا بالمعنى الطبّي، بل إشباع شعور بالمكافأة نتيجة إفراز الأندورفين والدوبامين المرتبطَين بالألم والتعبير عن الذات". وتضيف أن الأمر "قد يتحوّل إلى سلوك قهريّ، خصوصًا عندما يرتبط بالتعبير عن السياسة أو الدِّين، أو برغبة متكرّرة في إعادة التجربة".


تقديس وحماية

كنعان تشرح في هذا الإطار، أن "الوشم الدِّيني بات وسيلة لإبراز الانتماء الروحي، يريد منه البعض تحويل الجسد إلى مساحة مقدّسة"، فيما "الوشم الحزبيّ قد يعكس حاجة نفسية إلى الانتماء والحماية". وتلفت إلى أن "كثيرين يخطّطون للوشم التالي قبل الشفاء من الأوّل، في نمط يشبه الإدمان السلوكي من دون أعراض انسحاب، بل برغبة قهريّة".

بالنسبة إلى كنعان يشكّل الوشم "سرديّة ذاتية، سواء ارتبط بالسياسة أو الدِّين أو التجارب الشخصية"، مشيرةً إلى أنه "قد يتحوّل لدى من تعرّضوا لصدمات إلى محاولة لاستعادة الجسد وتحويل الألم إلى معنى". لكن "الخطر يكمن حين يصبح الوشم هو الوسيلة الأساسية للتكيّف أو التعريف عن الذات، ما يفضي إلى هشاشة نفسيّة".

وتختم كنعان بالتأكيد أن "في بعض الحالات نشهد ندمًا لاحقًا، نتيجة تغيُّر القناعات أو ارتباط الوشم بذكريات مؤلمة"، داعيةً الأهل إلى "الإصغاء لأولادهم بلا أحكام، واللجوء إلى بدائل صحيّة للتعبير عن الذات".


وسيلة تعبير

المختصّ في فن الوشم كريستيان رزق، يرى من جهته أن "الوشم وسيلة تعبير نستخدمها لتظهر بشكلٍ لافتٍ وجميلٍ"، مشيرًا في حديث لـ "نداء الوطن"، إلى أن زبائن كثيرين يلجأون إليه لتوثيق مرحلة معيّنة من حياتهم، كتدوين تاريخ وفاة أو زواج، أو كتابة عبارة ذات معنى".

يضيف رزق أن "من يُقدم على الوشم يكون غالبًا إمّا سعيدًا جدًا أو حزينًا جدًا، أو متحمّسًا بعد مشاهدة الأمر لدى الآخرين"، موضحًا أن "الرغبة في التجريب تدفع الناس إلى خوضه، ومن يجرّب الأمر مرّة لا يعود يراه قرارًا صعبًا، بل يميل إلى تكراره".

ويلفت رزق إلى أن ثمّة من يتعامل مع الوشم "كنوعٍ من التنفيس لأنه يُبقي أثرًا دائمًا على الجسد"، أمرٌ يؤكّده بدوره شربل حداد، المتخصص أيضًا في فن الوشم.

بالنسبة إلى حداد، "اختيار الوشم يختلف بين البيئات والمناطق، لا سيّما الوشوم الدينية والسياسية. فيما تبقى تصاميم أخرى مشترَكةً بين مختلف الفئات". ويضيف أن "وسائل التواصل الاجتماعي تؤدّي الدَّور الأكبر في تشكيل ذوق الزبائن وتوقعاتهم"، ناهيك بأن "ذائقة فنان الوشم واستشارته باتتا تؤثران أيضًا، مع ارتفاع وعي الأفراد لاختيار ما يعكس رغباتهم الفعلية بدل الانجرار خلف الصَّيحات".


تراجع ملحوظ

يلفت حداد في حديث لـ "نداء الوطن"، إلى كون "الإقبال على الوشم تراجع بشكلٍ ملحوظٍ بعد عام 2019، نتيجة الأوضاع الاقتصادية والحروب"، موضحًا أن "هذه المهنة تُعدّ من الكماليات لا من الأولويات، خصوصًا مع كلفتها المرتفعة قليلًا".

من جهة أخرى، يكشف حداد أن "مَن يغطّي جسده بالكامل يكون متأثرًا بنماذج أخرى ويسعى للوصول إليها، وغالبًا ما يرتبط ذلك بحبّ الظهور ولفت الانتباه"، مؤكدًا أنه يشعر "بمسؤولية كبيرة تجاه الزبون المتردّد، ويفضل إلغاء الموعد على تنفيذ وشمٍ الزبون غير مقتنع به"، لأن "الندم واردٌ، خصوصًا عندما تتغيّر القناعات المرتبطة برسمة الوشم".

حداد يشدّد أيضًا على أن "الفجوة شبه معدومة بين ما يطلبه الزبون وما يمكن تنفيذه، إذ يقصد الشخص عادةً الفنان الذي يناسب أسلوبه"، مؤكدًا في مجال آخر أن "نظرة المجتمع اللّبناني تغيّرت، فبعدما كانت هذه المهنة موضع استخفاف، أصبحت اليوم مجالًا احترافيًا قابلًا للاستمرار". ويختم قائلًا إن "فن الوشم في لبنان بلغ مرحلة متقدّمة، وهو مهنة لا حدود لها".


رحلة شخصية

إميليو ج. يحمل أكثر من عشرة وشوم على جسده "من دون سبب محدّد. البداية كانت بوشمٍ صغيرٍ على شكل حرفٍ صينيّ خلال فترة الدراسة، قبل أن أضيف وشومًا أخرى تباعًا. وهكذا، وشمٌ جرّ آخر، وتحوّل الأمر تدريجيًّا إلى رغبة مستمرّة في إضافة المزيد".

وفي حديث لـ "نداء الوطن"، يؤكد إميليو أنه "لا يشعر بأيّ ندمٍ تجاه الوشوم التي أجراها، بل على العكس يراها عنصر تميّز عن الآخرين"، مشيرًا إلى أن "تجربته مع الوشم كانت إيجابية بالنسبة إليه، وتعزز إحساسه بذاته". وهو "يطمح لتنفيذ وشومٍ إضافيةٍ في الفترة المقبلة، في استمرارٍ لهذه الرحلة الشخصية مع الجسد والتعبير".

الوشم إذًا أكثر من أثرٍ دائم على الجسد، إنه مرآة لتحوّلات داخلية قد تكون عابرة أو عميقة. بين التعبير الحرّ والحاجة النفسية، وبين الاندفاع والندم، تتكشف قصصٌ تُكتب بالحبر تحت الجلد، لكن جذورها تعيش في النفس. وفي مجتمع يتغيّر بسرعة، يبقى السؤال مفتوحًا: هل نملك ما يكفي من الوعي لفهم ما نختار أن نحمله معنا إلى الأبد، أم أن بعض القرارات يُتخذ في لحظة مشاعر جيّاشة؟