الدكتور سايد حرقص

ماذا ينتظر اللبنانيون بعد الحرب؟

3 دقائق للقراءة

​يقف لبنان اليوم على حافة مرحلة مفصلية جديدة، لا تقل خطورة عمّا سبقها من محطات تاريخية حاسمة. فبعد كل حرب، لا يكون السؤال محصوراً فيما دُمّر من حجر ومن استشهد من بشر، بل في طبيعة التوازنات الجديدة التي ستُفرض، وأي خيارات قاسية سيجد اللبنانيون أنفسهم أمامها. في هذا السياق، يبدو المشهد مفتوحاً على ثلاثة احتمالات رئيسية، لكلٍّ منها تداعياته العميقة على مستقبل الدولة والمجتمع.

​الاحتمال الأول هو انتفاضة السيادة واستعادة الدولة. ​يتمثّل هذا السيناريو في نشوء انتفاضة شعبية واسعة تتجاوز في سقفها "ثورة الأرز"، لتطال جوهر الأزمة اللبنانية: مسألة السيادة وحصرية السلاح. انتفاضة كهذه قد تأخذ طابع اللحظات التاريخية التي يكسر فيها المجتمع حاجز الخوف، حيث يخرج الناس رفضاً لمنظومة الهيمنة الميليشياوية، مطالبين بإعادة بناء الدولة على أسس ناجزة: احتكار السلاح، استقلال القرار السياسي، وإعادة ربط لبنان بركب الحداثة العالمي.

غير أن نجاح هذا المسار ليس مضموناً؛ فالمجتمع اللبناني، المنهك اقتصادياً والمنقسم طائفياً، قد يصطدم بعوائق إقليمية معقّدة تحدّ من قدرته على إنتاج حركة موحدة قادرة على الصمود وتحقيق نتائج ملموسة.

​الاحتمال الثاني هو الانزلاق نحو "7 أيار" جديد والفوضى. هذا الاحتمال هو الأكثر خطورة، ويتمثّل في تحوّل الصراع السياسي إلى مواجهة ميدانية مفتوحة. في هذا السيناريو، قد يحاول حزب الله تعويض خسائره العسكرية أمام العدو عبر استعادة "هيبته الداخلية" بالقوة، وإعادة إنتاج مشاهد العنف والترهيب. هذا المسار قد يشعل فتيل فوضى أمنية واسعة، أو يؤسس لواقع تقسيم أمر واقع، يمهد لولادة "لبنان جديد" لا يشبه بحدوده ولا بصيغته لبنان الذي نعرفه اليوم.

​الاحتمال الثالث هو الوصاية الدولية كـ "حل أخير". ​يبقى هذا الاحتمال، وهو الأكثر حساسية، ويتمثّل في فرض وصاية دولية تحت الفصل السابع من ميثاق الأمم المتحدة. هذا الخيار قد يُطرح كجزء من تسوية دولية لإنهاء الحرب الحالية، وضمان نزع سلاح الميليشيات، وتحرير الأراضي اللبنانية مع إلغاء أي مخاطر مستقبلية لإعادة بناء آلة الحرب.

هذه الوصاية قد تأخذ أشكالاً متعددة: من إدارة أمنية مشددة، إلى إشراف مالي واسع وإعادة هيكلة شاملة لمؤسسات الدولة الادارية والمالية والامنية والعسكرية. ورغم ما يحمله هذا السيناريو من مساس بالسيادة الوطنية، إلا أن الكثيرين قد يجدون فيه "المخرج الاضطراري" والحل الأقل كلفة لوقف الانهيار الوجودي للوطن.

​بين هذه الاحتمالات الثلاثة، يعيش اللبنانيون حالة من الترقب والقلق. فالمسألة لم تعد تتعلق بخيارات سياسية عابرة، بل بقدرة المجتمع على إعادة تعريف نفسه: هل يبقى لبنان أسير المحاور والموروثات الطائفية، والولاءات الخارجية أم ينجح في بناء رؤية وطنية جامعة؟

في النهاية، قد لا يكون المستقبل محصوراً بهذه السيناريوهات، فلبنان لطالما كان أرض التسويات المفاجئة. إلا أن أي حل لا يعالج جذور الأزمة سيبقى هشّاً، وقابلاً للانفجار عند أول اختبار.

لبنان اليوم لا يحتاج فقط إلى نهاية حرب، بل إلى قرار تاريخي ببناء الدولة.