شربل صيّاح

اللّعنة عليكم!

5 دقائق للقراءة

هذا المقال موّجه إلى كلّ من حرّكته مشاعره أمس جرّاء الضّربات الإسرائيلية على لبنان، وعبّر عن موقفه، و عاد اليوم إلى "الماتشا" وسهرات "الروفتوبس" و"الباديل" و"الارغيلة"، وكأنّ شيئًا لم يكن.

يا أيّها القوم، لا يحتاج أحد إلى دروس في إدانة سياسات بنيامين نتنياهو اللّاإنسانية أو غيره. هذا موقف بديهي. لكنّ استخدامكم هذه الإدانة كذريعة للهروب من مواجهة الأزمة الداخلية والتكلم عنها على منابر صفحاتكم هو قمة الانتهازية السياسية.

أصبحنا في واقع بلغ فيه الانحدار حدّ التواطؤ الجماعي على دفن الدولة، قطعةً قطعة، تحت شعارات كاذبة وخطابات خشبية.

بالله عليكم يا قوم، ما جرى يوم أمس لم يكن مفاجئًا، ولا صادمًا، ولا حتى استثنائيًا.

إنه النتيجة الطبيعية لمسار معروف، حذّرنا منه قبل 7 تشرين 2023، فاتّهمنا بالخيانة من محور الممانعة، و"بالتطرّف"منكم أيّها المنافقون. إسرائيل لم تفعل سوى ما تفعله دائمًا: تمارس عنفها وفق منطقها. أما عندنا، فالمأساة أنّكم ما زلتم تتصرّفون وكأنّكم ضحايا بلا مسؤولية، بينما الحقيقة أنّكم شركاء في صناعة هذا المصير.

لقد أُخذ لبنان رهينة قرار أحادي، اتخذه "حزب الله" (الفصيل المسلّح التابع للحرس الثوري الإيراني، الذي لا يمت بمقاومة إسرائيل بصلة، بقدر ما يريد تثبيت المصالح الإيرانية في لبنان )، خارج الدولة، فوق الدولة، وعلى حساب الدولة. هذه ليست وجهة نظر، وهذا ليس تطرّفًا أيّها العبقري، بل واقع سياسي موثّق. كل من حذّر من هذا المسار قوبل بالتخوين، وكل من طالب بالشرعية اتُّهم بالعمالة، حتى أصبح المنطق نفسه موضع شبهة.

المشكلة لم تعد فقط في من اتخذ القرار، بل في من يبرّره، عن لاوعي مطلق، خصوصًا بعدما حصل أمس من ردّة فعل غبيّة من هؤلاء الذّين (ما بدنا نحكي سياسة، ما منفهم شي، ووجعة راس…) وفي من يلتزم الصمت، وفي من يهرب إلى شعارات مريحة بدل مواجهة الوقائع.

أيّها العباقرة "بالتّعتير"، إنّ الصور والتّصاريح وخصوصًا "جريمة ضدّ الإنسانية" التّي باشرتم بالتّرويج لها البارحة المدعومة من إعلاميي وناشطي "حزب الله" المتخفّين، بهدف نقل صراع الآخرين إلى أحضانكم، ليست مادة للاستهلاك الإعلامي ولا شعارًا موسميًا. الجريمة الحقيقية ضدّ الإنسانية، يا شباب المستقبل، هي أن يُدفع شعب بأكمله إلى حرب لم يخترها، وأن يُقتل المدني في منزله نتيجة حسابات لا تمثّله، أو أن يهرب المقاوم الباسل الذّي يريد إزالة إسرائيل عن الوجود من الجبهة إلى مناطق لا يحكمها غير السلام و الإستقرار.

أن يُترك أهالي رميش، دبل، عين إبل والقرى الأخرى الصامدة من كلّ الطوائف التّي لم تختر هذه الحرب العبثيّة، دون أدنى مقومات الصمود؟

أن يُقتل محمّد شطح، وبيار جميّل، وباسل فليحان، ونديم عبد النّور، وطوني بولس والياس الحصروني وهاشم السلمان ولقمان سليم، أليست هذه جرائم ضدّ الإنسانيّة؟ أوليست كذلك، أن يُجهض مسار العدالة في انفجار بيروت، وأن يُمنع اللبنانيون من معرفة من قتل أبناءهم، لأن الحقيقة "لا تناسب" موازين القوى آنذاك؟

أين كنتم أيّها النّاشطون الغيّورين على مواقع التّواصل؟

أيها " المؤثرون " الذّين تتحوّلون بعض الأوقات إلى محلّلين سياسيّين وتجمعون الـ likes و الـ reposts على حساب الحقيقة والقضيّة اللّبنانية؟

الى جيل الشباب، جيلي، بالله عليكم.

كفى ادّعاءً للحياد، و السياسة "وجعة راس".

كفى الهروب إلى مساحات رمادية وهمية.

كفى شيطنة العمل السياسي والأحزاب السيادية.

إنخرطوا، تابعوا، قفوا على أعتاب مجد لبنان الذّي أنتم مسؤولون عنه.

أن تقول "أنا ضد الحرب" لا يكفي.

وأن تندد بإسرائيل فقط لا يكفي.

وأن ترفع شعارات عامة مدعومة بشعارات الإنسانية لا يكفي.

السؤال المعياري البسيط والحاسم و الذّي يحدّد مصيري ومصيرك:

هل أنت مع سلاح "حزب الله" نعم أم لا؟

ذاك هو معيار غيرتك وشرعيّتك في اتّخاذ المواقف الظّرفية.

كل التفاف حول هذا السؤال بحجّة التضامن والتكاتف هو مساهمة مباشرة في استمرار الهراء في السّردية و الكارثة السياسية.

الى هؤلاء الـ influencers المجاهدين على منصات التواصل، فقد تحوّل الكثير منكم إلى ظاهرة خطيرة في تشكيل الرأي العام، دون أي مسؤولية معرفية أو سياسية. إن تبسيط الصراع، وتقديمه على شكل ثنائيات سطحية، لا يخدم إلا ترسيخ الوهم. السياسة ليست محتوى ترفيهيًا، ولا ساحة لاستعراض المواقف السريعة، بل مسؤولية تتطلب فهمًا ووعيًا وموقفًا واضحًا.

والمسؤولية الأكبر تقع على كلّ من ساهم و يساهم في النشر على صفحاتكم الخاصّة.

إقرأوا مجدّداً. (ما بقى فينا نحمل سخافة)

ولا يمكن إعفاء القوى السياسية التي هي سيادية من المسؤولية أيضاً.

أين التّنظيم وإدارة الخطاب السياسي؟ لماذا ما زلنا بعد سنة ونصف السنة من إتّخاذ قرارات حكوميّة إستثنائية، لا نستطيع فرض وتعميم السردية الحقيقية للأمور ليتبنّاها روّاد مواقع التّواصل؟

هذا الفراغ، الذي تركته هذه القوى لم يُملأ إلا بخطابات أكثر صخبًا وأقل عقلانية.

لا سيّما مسؤولية الإعلام الذّي يسلّط الأضواء على شخصيّات غير كفوءة، زجليّة، هستيريّة، منافقة، و خصوصاً على برامج النقاشات التّي لا تقدّم عمليّاً أي تصوّر لقيمة مضافة.

لذلك، فإن الشراسة اليوم ليست خيارًا بل ضرورة وجوديّة.

شراسة في تسمية الأمور بأسمائها.

شراسة في رفض السلاح خارج الدولة.

شراسة في محاسبة من صادر القرار الوطني.

شراسة في الذهاب نحو صيغة لامركزيّة مطلقة.

أمّا للذّي يريد أن يبقى منظّراً سياسياً تافهاً من على منابر الـ pilates أو الـbodybuilding sessions أو من skin care routine،

فبالله عليكم، إمّا أن تنضمّوا إلى صفوف المواجهة لتحقيق الدّولة المرجوّة، وإمّا أن تخرسوا فما زلنا ندفع ثمن تفاهتكم.