السيناريو الذي شهده لبنان أوّل من أمس والذي جعله يستحق تسمية الأربعاء الأسود، غداة إعلان وقف إطلاق النار على الجبهة الإيرانية، أعاد الكثير من الحسابات المتسرّعة إلى "رشدها"، عبر استثناء لبنان وبشكل نافر من الاتفاق المبدئيّ بين كلّ من الولايات المتحدة وإسرائيل وإيران، الأمر الذي أربك الجمهورية الإسلامية و "حزب اللّه"، لأن الأولى لا يمكنها التنصّل من الاتفاق بسهولة وإن هدّدت بإقفال مضيق هرمز مجدّدًا، ولأن "الحزب"، ووفق رؤيته الخاصة للعلاقة مع طهران، يجد من حقه أن يسأل وأن يعتب لفصل المسار اللبناني عن المسار الإيراني، ولو تحدث بعض المسؤولين الإيرانيين عن خديعة أو استنساب في فهم الاتفاق وتطبيقه.
وما يضاعف الإشكالية، أن هؤلاء المسؤولين ذهبوا بعيدًا في تفسير الاتفاق "على هواهم"، وفي اختيار النقاط التي اعتبروها لمصلحة إيران فيما لم يأتوا على ذكر نقاط عدّة أخرى تحرج إيران كما يبدو. علمًا أن الأميركيين تعاملوا بنوع من الفتور مع المزايدات الإيرانية، وربما انطلاقًا من ثقتهم بأن الحقيقة مغايرة ومن تفهّمهم حاجة المسؤولين الإيرانيين إلى نفحة معنوية ولو أنها في غير محلّها بنسبة كبيرة.
وفي هذا السياق، تلفت أوساط دبلوماسية غربية إلى أن أولوية إيران كما اتضح هي إيران، وأنها وإن اعترفت بفضل أذرعها وخدماتها لمشروعها التوسّعي، فإن تلك الأذرع تدرك في الوقت عينه حقيقتين مهمّتين:
الأولى أن "حزب اللّه" بشكل خاص وسواه من التشكيلات التابعة كما في العراق واليمن، لم يكن ليولد ويترعرع ويصل إلى هذه الدرجة من النفوذ والقوّة لولا الدعم الإيراني المباشر سياسيًا وماليًا وعسكريًا وأمنيًا.
والثانية أن إيران باتت عاجزة اليوم وبنسبة كبيرة عن تأمين هذا الدعم بأشكاله المختلفة ولا سيّما تمويلًا وتسليحًا، و "الحزب" يدرك جيّدًا هذا الواقع، ولذلك وبحسب المعطيات، يلعب أوراقه "صولد"، وكأنه بصدد معركة وجودية أخيرة. وتشير المعطيات ذاتها إلى أن ما ينتظر "الحزب" في مرحلة لاحقة سيكون شديد الوطأة عليه مع تراجع إمكاناته والتخلّي الإيراني القسري عنه ما خلا الدعم السياسي والمعنوي.
وتختم الأوساط بالتأكيد أن قطع خطوط الدعم العملي عن "حزب اللّه" بات أمرًا واقعًا، ولا سيّما أن إيران، سواء اختارت مواصلة الحرب أو سلّمت بمعظم الشروط الأميركية، ستعود إلى حجمها الطبيعي ولن يكون في وسعها أن تعرقل مسار التطبيع في المنطقة، باعتبار أن همّها الأساسي اليوم هو الحفاظ على النظام القائم، والسماح لها بنوع من الشراكة المحدودة نسبيًا في النفوذ على الساحة السياسية العراقية فحسب، علمًا أنه يعود للبنانيين أن يحدّدوا مدى نفوذ "حزب اللّه" في المرحلة المقبلة، انطلاقًا من أن المسألة ترتبط برغبتهم وإرادتهم واقتناعهم بقدرتهم على حصر السيادة بالدولة اللبنانية ومن دون أي شريك.
وفي ضوء ما تقدّم، يلفت قيادي سيادي بارز، إلى أن على أركان الدولة اللبنانية بخاصة أن يدركوا الواقع الراهن وآفاقه، وأن يتخلّوا عن الحذر والتردّد والخوف في قراراتهم وبخاصة في تنفيذ القرارات المتخذة أساسًا، لأن التجارب الأخيرة تثبت حقيقة أن الدولة هي اليوم الطرف الأضعف بدلًا من أن تكون الطرف الأقوى، بعدما أهدرت فرصًا متلاحقة لتطبيق قرار حصر السلاح بشكل جدي، وخسرت الكثير من هيبتها وصدقيتها. ومن هنا، يمكن فهم التفسير الأميركي لاستثناء لبنان من اتفاق وقف إطلاق النار والتصعيد الإسرائيلي غير المسبوق بعنفه واتساع دائرته عبر استهداف عشوائي أحيانًا لمبانٍ سكنية في قلب العاصمة وسواها وأحيانًا من دون سابق إنذار، على خلفية "لوم" صريح للدولة اللبنانية بالتقصير في عملية نزع سلاح "حزب اللّه". فكيف لأركان الحكم أن يُقنعوا المجتمعين الدولي والعربي بتوفير المساعدات المالية والإعمارية والاستثمارية، مع تسجيل عتب عربي لما وصفه وزير خليجي في مجلس خاص بـ "عجز إرادي" للدولة اللبنانية وكأنها بدت في موقع المسهّل لمحور إيران و "حزب اللّه" في التعرّض للدول العربية وبخاصة الخليجية.
وثمّة جانب آخر من "العجز الإرادي" لدى السلطة اللبنانية، ويتمثل في الاكتفاء بتغيير من فوق أي على مستوى رئاسة الجمهورية ورئاسة الحكومة والحكومة، من دون أن يشمل التغيير المفاصل الأساسية المتحكّمة بالدولة والمؤسسات الرسمية والعامة، من إدارية وأمنية وقضائية ومالية.
والشكوى في هذا المجال تتخطّى إطار الفساد والمحسوبيات والصفقات، إلى مستويات أشدّ خطرًا وتتعلّق بالقضايا الأمنية والملفات القضائية والشؤون المالية التي تتخذ طابعًا سياسيًا في الغالب. وهنا الطامة الكبرى كما يقول القيادي نفسه، إذ تُبيّن الأحداث والوقائع أن الدولة العميقة ما زالت هي هي في معظم مفاصلها منذ عهد الوصاية السورية واستطرادًا مع عهد الوصاية الإيرانية من خلال "حزب اللّه".
ويلفت إلى أن التعاطي مع بعض القضايا الأمنية يعكس بشكل فاضح ومخزٍ مدى الاستنساب ومحاباة جماعة الممانعة في تغطية الارتكابات وأحيانًا الفظائع، إن من خلال التمنع عن الملاحقات الجدية أو من خلال الاستسلام أمام العقبات المفتعلة أو من خلال التعاطي مع اللبنانيين من قبل بعض الأجهزة الأمنية بحسب فئاتهم وانتماءاتهم السياسية، ولذلك فقد آن الأوان لوقف المماطلة والتمييع في ملف تفجير المرفأ وفي معالجة واقع المحكمة العسكرية كأداة للاقتصاص من السياديين والتستر على جماعة الممانعة، فضلًا عن ضرورة التخلي عن شمّاعة التهويل بالفتنة كلّما اتخذ السياديون موقفًا أو أطلقوا مبادرة أو تصدّوا لمحور الممانعة و "حزبه" المحلّي، علمًا أن الفتنة تكون بين طرفين مسلّحين، وأن تصدّي الدولة لأي طرف يحتكر أو يحمل السلاح دون سواه هو تطبيق للقانون وتأكيد على سيادة الدولة.
ويخلص القيادي إلى القول، فليتحفنا مسؤول بمعطى واحد تمّ وضع اليد عليه حول العديد من الاغتيالات القديمة والأخيرة، من افتقاد ملف اغتيال الرئيس رينيه معوض إلى ورقة واحدة، إلى ملفي اغتيال رمزي عيراني وخطف جوزاف صادر، وصولًا إلى الاغتيالات التي استتبعت تفجير المرفأ لطمس الحقائق وتحوير التحقيقات نحو أسباب مبتذلة تنال من كرامة الضحايا، وصولًا إلى اغتيال لقمان سليم وخطف باسكال سليمان وقتله، وليس انتهاء بظروف مقتل بيار معوض وزوجته وصديقة العائلة وما رافق القضية ويرافقها من التباسات وصنوف التجهيل والتعمية.