من يضبط عدّاد الاستهدافات وأحزمة النار التي تطال النبطية، المدينة التي تعيش على وقع غارات متلاحقة ومتواصلة؟
غارات بلغ أخطرها حدّ استهداف سراي النبطية الحكومي، في ضربة مباشرة لمراكز الدولة اللبنانية.
الأخطر في هذا الاستهداف لا يقتصر على ضرب مبنى رسمي، بل في كونه استهدف جهاز أمن الدولة، ما أدّى إلى استشهاد 13 عنصرًا كانوا لا يحرُسون السراي فحسب، بل أمن المدينة بأكملها. عناصر استشهدوا وهم على رأس خدمتهم، يؤدّون واجبهم تجاه الناس.
يروي مختار النبطية عبد بيطار اللحظات الأخيرة التي جمعته بعناصر أمن الدولة قائلًا:
«زرتهم صباحًا، وقدّمت لهم بعض المؤن الغذائية. تبادلنا الحديث عن مجريات الأحداث في النبطية وأوضاع أهلنا. غادرت لأتابع عملي الخدماتي، لأعود لاحقًا وأنا أحمل جثامين أحبّتي بين يدي… يا لهول المشهد».
تكشف مجزرة أمن الدولة عن مسارٍ تصعيدي بالغ الخطورة دخلته منطقة النبطية، التي تعرّضت لحزام ناري جديد طال السراي الحكومي، إضافة إلى مبانيه القديمة التي يتجاوز عمرها المئة عام، فضلًا عن المتاجر الاقتصادية والساحات العامة.
صبّت المقاتلات الحربية حمم صواريخها على المدينة، عبر أكثر من 6 غارات، أسفرت عن 23 ضحية و65 جريحًا، وفق إحصاءات مستشفيات النبطية.
أمام سراي النبطية: حريق، دخان كثيف، دمار، ووجع كبير.
كان عناصر أمن الدولة يعتقدون أنهم في مأمن داخل مركز حكومي تابع للدولة اللبنانية، لا لجهة حزبية، ويتبع مباشرة لوزارة الداخلية. بقوا في مواقعهم ليشعر الناس أن هناك من يحمي أمنهم وأرزاقهم، غير أن ما حصل كشف غياب أي مكان آمن، وأثبت أن حتى المؤسسات العسكرية والأمنية للدولة باتت أهدافًا مباشرة للمقاتلات الحربية.
في المكان، انهمك عناصر الدفاع المدني اللبناني في إخماد الحريق الذي شبّ داخل السراي، وطال دائرة النفوس والهويات ومكاتب أمن الدولة. أحرقت النيران سجلات دائرة النفوس، كما احترقت آليات أمن الدولة وعتادها بالكامل، فيما تولّت الفرق الإسعافية والإغاثية سحب الجثامين من بين النيران والدمار.
قرب السراي، كان يقع مبنى المخاتير الذي يضم مكاتب مختاري النبطية. هذا المبنى سُوّي بالأرض وتحول إلى ركام.
وسط الدمار، تسير أم محمد، الحاجة السبعينية، بين الأنقاض وقد أُصيبت في الغارات. تبدو الصدمة واضحة على وجهها، تقول:
«ما بعرف كيف نجوت».
كلمات قليلة تكشف حجم الرعب. تشكو ألمًا في يدها التي كُسرت بفعل الغارة، فيسارع عناصر الدفاع المدني إلى نقلها إلى سيارة الإسعاف، فيما يعمل فريق آخر على إجلاء سيدة كانت لا تزال داخل منزلها.
«يوم حزين على النبطية»، بهذه الكلمات يختصر عباس فهد المشهد.
عباس، وهو مسعف في إسعاف بيت الطلبة، استعاد مجزرة بلدية النبطية التي نجا منها سابقًا بأعجوبة بعد إصابته بجروح خطيرة. اليوم، يعمل مع فريقه على إغاثة أبناء مدينته، ويقول:
«شعرت وكأن المشهد القاتل يتكرّر… صعب أن ترى من تحب يسقط بكل هذا الحقد».
لا يمكن وصف ما عاشته النبطية في هذا اليوم. المستشفيات اكتظّت بالجرحى، والأعداد كبيرة. فقد استقبلت مستشفيات المدينة 65 جريحًا، تراوحت إصاباتهم بين المتوسطة والخطيرة.
مشهد يفتح علامات استفهام كبرى حول سيناريو الأيام المقبلة:
هل تتجه المدينة إلى قلب تصعيد أخطر،
أم إلى مسارٍ تنازلي يقود نحو هدنة ووقف لإطلاق النار؟
