العميد المتقاعد جوني خلف

حزب الله: مشروع دمّر وطنًا

4 دقائق للقراءة

لم يعد ممكنًا التخفّي خلف الشعارات، لأن النتيجة باتت واضحة: وطن مدمّر. بعد أكثر من أربعة عقود، لم يعد السؤال ما إذا كان "حزب الله" قد خدم لبنان، بل كيف استطاع مشروعٌ مسلّح خارج الدولة أن يقود بلدًا كاملًا إلى هذا القدر من الانهيار، من دون محاسبة.

منذ نشأته عام 1982، لم يكن الحزب مشروع دولة، بل مشروع نفوذ مرتبط بإيران، وهو ما أعلنه صراحة في “الرسالة المفتوحة” عام 1985، واضعًا قراره الاستراتيجي خارج الحدود.

ومع استمرار الوصاية السورية حتى عام 2005، بقي لبنان ساحة تُدار من الخارج لا دولة تملك قرارها.

وعندما انسحبت إسرائيل من الجنوب عام 2000 تطبيقًا للقرار 425، كان يفترض أن تُستعاد السيادة كاملة، إلا أن الحزب رفض تسليم سلاحه، مُكرّسًا واقع الدويلة داخل الدولة. ومنذ تلك اللحظة، دخل لبنان مسار انحدار تدريجي لا رجعة فيه.

ثم جاء قرار 12 تموز 2006، حين اتخذ الحزب قرار الحرب منفردًا.

فكانت النتيجة حربًا مدمّرة خلال 33 يومًا خلّفت أكثر من 1200 قتيل، ودمارًا واسعًا، وخسائر قُدّرت بأكثر من 3.6 مليار دولار وفق تقارير الأمم المتحدة، قبل أن يُقرّ أمينه العام لاحقًا بأن القرار لم يكن ليتخذ لو كانت النتائج معروفة.

ومنذ ذلك التاريخ، لم يعد السلاح مجرد أداة مواجهة خارجية، بل تحوّل إلى أداة داخلية كما في 7 أيار 2008، حيث فُرضت معادلة القوة على الدولة اللبنانية.

ثم توسّع الدور العسكري منذ عام 2012 في الحرب السورية وساحات إقليمية أخرى ضمن مشروع تقوده إيران.

وفي موازاة ذلك، كان لبنان ينجرف نحو انهيار اقتصادي غير مسبوق، تُوّج منذ عام 2019 بأزمة وصفها البنك الدولي بأنها من بين الأسوأ عالميًا، مع فقدان الليرة أكثر من 90% من قيمتها، وانهيار النظام المصرفي، ودفع أكثر من نصف السكان إلى الفقر وفق تقديرات الأمم المتحدة.

ورغم هذا الانهيار، لم يُقدّم الحزب أي مشروع إنقاذ، بل استمر في حماية منظومة سياسية مأزومة مقابل تثبيت سلاحه ونفوذه.

ومع فتح جبهة الجنوب مجددًا، عاد اللبنانيون إلى دفع أثمان بشرية واقتصادية جديدة، بقرار خارج إطار الدولة، ليصبح واضحًا أن لبنان لم يكن يومًا في صلب هذا المشروع، بل ساحة له. ولا يمكن فصل هذا المسار عن واقع دولي طويل من التراخي تجاه تطبيق قرارات مجلس الأمن، لا سيما 1559 و1701، ما سمح بتكريس سلاح خارج الشرعية تحت أعين المجتمع الدولي. ولا يمكن تجاهل البعد العقائدي السياسي الذي شكّل أحد أعمدة مشروع “حزب الله”، والمتمثّل بارتباطه العقائدي والسياسي بولاية الفقيه في إيران، وبالبنية التنظيمية والعسكرية المرتبطة بالحرس الثوري. هذا الارتباط لم يبقَ إطارًا فكريًا، بل تحوّل إلى مرجعية قرار عسكري وسياسي عابر للحدود، قدّم منظومة إقليمية على حساب منطق الدولة الوطنية اللبنانية. ومع مرور الوقت، انعكس هذا التموضع على علاقة الحزب بالدولة اللبنانية وبمؤسساتها، حيث تعمّق منطق “الالتزام المحوري” على حساب مفهوم السيادة الوطنية الجامعة، ما ساهم في تكريس ازدواجية القرار داخل الدولة. وفي المحصلة، فإن الإشكالية لا تكمن في الانتماء الفكري بحد ذاته، بل في تحوّله إلى إطار حكم وسلاح وقرار حرب وسلم خارج المرجعية اللبنانية، وهو ما جعل لبنان في موقع التابع داخل معادلات إقليمية تتقدّم فيها المصالح العقائدية والسياسية للمحاور على حساب المصلحة الوطنية اللبنانية

لكن بعد كل هذا، لم يعد النقاش حول التفاصيل، بل حول النتيجة،

دولة منهكة، سيادة منقوصة، اقتصاد مدمّر، وبيئة لبنانية ،خصوصًا الشيعية دفعت أثمانًا بشرية واجتماعية واقتصادية باهظة تحت شعارات لم تنتج وطنًا.

الحقيقة القاسية أن مشروعًا لا يعترف بالدولة لا يمكن أن يبني دولة، وأن سلاحًا خارج الشرعية لا يمكن أن يحمي شعبًا، بل يورّطه في حروب متتالية وارتدادات مفتوحة.

ومن هنا، لم يعد المطلوب توصيف الانهيار بل إنهاؤه ،بمحاسبة كل من ساهم في تكريس هذا الواقع، أيًّا كان موقعه، وبإعادة تثبيت مبدأ لا بديل عنه دولة واحدة، قرار واحد، وسلاح واحد. وما لم يُكسر هذا الواقع، لن يكون هناك لبنان، بل مسار مستمر في تدمير وطن.