بدأت المفاوضات بين لبنان واسرائيل تأخذ مسارها الفعلي في لحظة مفصلية من تاريخ لبنان، وكانت الشرارة السياسية لما جرى في بيروت ليلة 8/4/2026، حين تحوّلت العاصمة إلى نقطة انعطاف في بنية القرار الداخلي، تزامنًا مع قرار الدولة اعتبار بيروت منطقة منزوعة السلاح. منذ تلك اللحظة لم يعد ما يجري مجرّد نقاش سياسي أو احتمال دبلوماسي، بل مسار فعلي يعيد طرح سؤال الدولة من جذوره: من يقرر؟ ومن يمثل لبنان؟ ومن يحتكر شرعية القرار؟
في التطور الأبرز، يتجه المسار نحو قنوات تفاوضية منظمة برعاية أميركية، حيث يُعقد اجتماع تحضيري في وزارة الخارجية الأميركية بين السفيرة اللبنانية لدى الولايات المتحدة ندى حمادة والسفير الإسرائيلي لدى الولايات المتحدة يحيئيل ليتر، وهو اجتماع لا يمكن قراءته كخطوة تقنية أو بروتوكولية، بل كبداية فعلية لتثبيت مسار تفاوضي انتقل من الغرف المغلقة إلى العلن السياسي.
والأكثر دلالة في هذا المسار أن التمثيل التفاوضي يتجه نحو الثبات على اسمين رئيسيين: سيمون كرم عن لبنان ورون ديرمر عن إسرائيل، ما يعني عملياً أن القرار التفاوضي أصبح محصوراً ضمن دائرة ضيقة وواضحة، وهو ما يعكس جدية غير مسبوقة في إدارة الملف، لكنه في الوقت نفسه يرفع مستوى المسؤولية إلى حدوده القصوى، لأن التفاوض هنا لم يعد مساحة كلام سياسي، بل مساحة قرارات نهائية.
ما يجري اليوم اختبار مباشر لفكرة الدولة نفسها. فالدولة اللبنانية وحدها هي الجهة الشرعية المخولة بالتفاوض باسم لبنان، وأي محاولة من أي طرف داخلي لفرض شكل التفاوض أو سقفه أو مساره تُعد مساسًا مباشرًا بجوهر الدولة، لأن التفاوض ليس مساحة نفوذ متنازع عليها، بل أداة سيادية خالصة لا تملكها إلا المؤسسات الشرعية.
أهمية هذه المرحلة أنها تنقل لبنان من إدارة الأزمات إلى إعادة تعريف قواعد اللعبة السياسية والأمنية. فالمفاوضات ليست حول تفاصيل جزئية، بل حول سؤال جوهري: هل لبنان دولة واحدة بقرار واحد، أم ساحة تتعدد فيها مراكز القوة والقرار والسلاح؟ هذا السؤال هو الذي يحدد معنى المرحلة، لا أي بند تقني آخر.
هذا الإطار التفاوضي لا يقوم على عنوان واحد، بل على حزمة ملفات مترابطة تشكل جوهر النقاش. في مقدمتها تثبيت الحدود البرية والبحرية بصورة نهائية وواضحة بما يمنع إعادة إنتاج النزاعات، إلى جانب البحث في ترتيبات أمنية مستدامة على طول الحدود تضمن الاستقرار وتمنع الانزلاق إلى مواجهات مستقبلية. كما يشمل المسار معالجة الملفات العالقة ذات الطابع الإنساني والأمني، وفي طليعتها ملف المخطوفين والموقوفين، باعتباره أحد أكثر الملفات حساسية وتأثيراً على مسار بناء الثقة بين الأطراف.، بما يفتح الباب أمام مرحلة جديدة من خفض التوتر وتحويله إلى استقرار قابل للاستمرار. لكن هذه المساحة تبقى مشروطة بثابت لا يمكن تجاوزه: دولة واحدة، قرار واحد، وسلاح واحد تحت سلطة الشرعية.
أهمية هذه المفاوضات لا تكمن فقط في نتائجها الخارجية، بل في كونها لحظة اختبار داخلي للدولة اللبنانية: هل تستطيع أن تتحول إلى سلطة فعلية قادرة على تنفيذ ما يتم التوصل إليه؟ أم أن أي اتفاق سيبقى نظريًا، ينهار أمام واقع داخلي غير موحد؟
ومن هنا تبرز العقدة الأعمق: استمرار الخطابات العقائدية ومحاولات إثبات الوجود خارج إطار الدولة. فهذه الخطابات، مهما امتلكت من تأثير أو امتداد، تصطدم اليوم بمرحلة مختلفة عنوانها الوحيد هو الدولة. والدولة لا تقوم على تعدد الشرعيات، بل على احتكار الشرعية والقوة والقرار ضمن مؤسسات واحدة.
فالمفاوضات، مهما بلغت أهميتها، لا تكفي وحدها إذا بقيت البنية الداخلية للدولة على حالها، لأن أي تسوية تُبنى فوق نظام مأزوم ستبقى معرضة للاهتزاز والانهيار عند أول اختبار.
الأسئلة التي يفرضها هذا المسار لم تعد تتعلق فقط بالسيادة أو بالحدود أو بطبيعة العلاقة مع الخارج، بل أصبحت أعمق من ذلك بكثير: هل ما زال النظام القائم قادرًا على استيعاب التحولات التي يعيشها لبنان؟ وهل يستطيع أن ينتج دولة قادرة على احتكار القرار وتوحيد المرجعية السياسية والأمنية، أم أن طبيعة التوازنات الداخلية لم تعد تسمح بذلك أصلاً؟
من هنا، يصبح الحديث عن التسوية الخارجية غير مكتمل من دون مقاربته من زاوية الداخل أيضاً، لأن أي استقرار حقيقي لا يمكن أن يُبنى على بنية سياسية متناقضة مع نفسها. ولهذا فإن المرحلة التي قد تعقب هذه المفاوضات لن تكون مجرد مرحلة تنفيذ أو إدارة نتائج، بل قد تفتح الباب أمام نقاش أوسع وأعمق حول ضرورة إعادة النظر في شكل النظام السياسي نفسه، بما يضمن توافقه مع واقع لبنان الجديد وتعقيداته، ويعيد صياغة العلاقة بين الدولة ومكوناتها على أسس أكثر وضوحاً واستقراراً.
فلبنان، في نهاية هذا المسار، لن يكون أمام خيار إدارة النتائج فقط، بل أمام ضرورة إعادة بناء الإطار الذي تُدار من خلاله هذه النتائج، بما يفتح المجال أمام صيغة سياسية جديدة قادرة على تحويل الاستقرار من احتمال مؤقت إلى واقع دائم.
أستاذة جامعية