ميشال الدكاش

قلق السلام: حين يصبح إنهاء الحرب بداية أزمة المعنى

6 دقائق للقراءة

لأن الإنسان لا يخاف من الحرب وحدها، بل من الفراغ الذي تتركه حين تنتهي، يتحوّل السلام أحيانًا إلى لحظة قلق وجودي عميق.

يُحتفى بالسلام غالبًا كأسمى طموحات الشعوب والدول، إلا أن الانتقال من واقع الحرب إلى السلام لا يكون بالضرورة انتقالاً مريحاً أو طبيعياً. بل كثيرًا ما يرافقه نوع خاص من الاضطراب النفسي يُعرف "بقلق السلام" (Peace Anxiety) وهو حالة من التوتر والخوف والارتباك تصيب الأفراد والمجتمعات عند انتهاء صراع طويل. فالحروب، على قسوتها، لا تدمّر فقط، بل تبني أيضًا أنماطًا من العيش، وأدوارًا اجتماعية، وهويات جماعية متماسكة، ولو كانت قائمة على الألم والخوف. وعندما تنتهي، لا يختفي العنف فقط، بل تتفكك تلك البنى، تاركةً فراغًا نفسيًا لا يقل رعباً عن الحرب نفسها.

وهنا تحديدًا، تظهر مفارقة السلام: فحين يطالب الناس به، فهم لا يطلبون مجرّد وقف لإطلاق النار، بل يبحثون، بوعي أو من دونه، عن أمان عاطفي، واستقرار اجتماعي، وتعافٍ نفسيّ، وقدرة حقيقية على إعادة ترميم نسيجهم الاجتماعي المتعدد الذي مزّقته الحرب. غير أنّ هذا المعنى العميق للسلام نادراً ما يتحقق فوراً، بل غالباً ما يصطدم بواقعٍ هشّ لم يتعلّم بعد كيف يعيش خارج منطق الصراع.

هذا ما أشار إليه الباحث في مجالات حل النزاعات والسلام، بيتر كولمان حين اعتبر أن النزاعات المزمنة تصبح جزءًا من نسيج الحياة اليومية، وأن نهايتها قد لا تُستقبل كتحرّر، بل "كانهيار للواقع". من هنا، يمكن فهم كيف أن السلام ليس دائماً نهاية الصراع، بل قد يكون بداية امتحان المعنى.

التاريخ يُظهر أن السلام لا يُهضم بسهولة. بعد صلح وستفاليا عام 1648، لم تدخل أوروبا فوراً في الاستقرار، بل واجهت ارتباكاً في تعريف هويتها السياسية والدينية، كأنها فقدت الإطار الذي كان ينظّم وجودها رغم عنفه.

أما المصالحة بين فرنسا وألمانيا، فلم تكن حدثًا في لحظته، بل مساراً طويلًا أعاد تشكيل الوعي الجماعي عبر التعليم والتبادل الثقافي والمؤسسات والتفاعل التدريجي. احتاج الأمر أجيالًا قبل أن يتحوّل العدو إلى شريك، ما يؤكّد أن السلام ليس قرارًا سياسيًا فحسب، بل تحوّلًا تدريجيًا في الذاكرة الجماعية.

هنا يصبح السؤال الأكثر إلحاحاً في السياق اللبناني - الإسرائيلي: هل يمكن أن يتحقّق سلام في ظل مقاربات لبنانية متباينة لهذا الصراع تتراوح بين من يحمّله أبعاداً ثقافية عقائدية دينيّة -إلى حدّ الصراع الأبدي بين "الخير والشر"- ومن يضعه في إطار سياسي يرتبط بانتهاك السيادة ومفهوم الدولة؟ تكمن المشكلة في البنية الرمزية للصراع حين يدخل الصراع مع إسرائيل في صلب تعريف الذات، يصبح السلام تهديدًا لهذه الهوية.

كيف يمكن لمجتمع أن يتخلّى عن سرديته التأسيسية ويعيد تعريف نفسه من دون أن يشعر أنه يبدّل هويته بالكامل؟

ومع ذلك، المفارقة اليوم أن حتى من يدفع الفاتورة الأكبر نفسه، بات يطالب بوقف إطلاق النار مشروط بخروج الاحتلال العسكري، وبعودة الأسرى، واستعادة القرى المحتلة وهذا بحدّ ذاته ليس تناقضاً، بل هو صياغة أوليّة لمطالبة بالحقوق ضمن ميزان قوى مختلّ، وتعبير عن محاولة تثبيت هذه الحقوق من داخل واقعٍ قاسٍ، كنزيف مفتوح على مصير غير مضمون.

ففي علم السياسة، المفاوضات لا تبدأ عند الطاولات، بل عند لحظة الاعتراف الضمني بوجود الآخر كواقع لا يمكن تجاهله أو إلغاؤه. وهذا الاعتراف، مهما كان صامتاَ أو مُحرجاً، يُعيد تدريجياً تشكيل صورة "العدو" في الوعي الجماعي: من كيان مطلق خارج الإنسانية، إلى طرف حاضر في المعادلة. وهنا يبدأ التحوّل الحقيقي، ليس في النصوص، بل في الإدراك.

لكن هذا المسار يصطدم ببنية أعمق. فالمجتمعات المغلقة لا تخاف من العدو بقدر ما تخاف من فقدان القدرة على تعريفه. فكلما اقتربت لحظة التحوّل، اشتدّ القلق، وازدادت الحاجة إلى إنتاج روايات مضبوطة تُبقي الواقع ضمن حدود يمكن السيطرة عليها، خصوصًا حين تكون هذه الروايات مشبعة بأيديولوجيا تعبر فوق الواقع خوفاً من تفسيره. وهنا يصبح الصراع ليس فقط على الأرض، بل على المعنى نفسه: من يملك حق تسمية ما يحدث؟ ومن يقرّر متى يتحوّل العدو من تهديد وجودي إلى واقع سياسي يفرض التعامل معه بالسياسة؟

في هذا السياق، لا يمكن إغفال أن الانتقال من القطيعة إلى التفاوض المباشر، إذا ما أتى من موقع رئاسة الجمهورية، لا يكون مجرد خطوة سياسية تقليدية، بل تحوّلًا نوعياً في تعريف الدولة لدورها ومسؤولياتها الوطنية. فالمبادرة إلى مفاوضات مباشرة تُعدّ خطوة سيادية جريئة، تضع مصلحة الوطن واستقرار المجتمع واستمرارية المؤسسات فوق اعتبارات الاصطفاف والانقسامات. غير أن المشكلة ليست فيمن يفاوض، بل في غياب جهة واحدة قادرة على تحمّل نتائج التفاوض وتطبيقها.

الأخطر أن النظام السياسي اللبناني، القائم على توزيع السلطة وفق التمثيل الطائفي، يعمّق هذا المأزق بدل أن يخفّفه. وقد ظهر ذلك بوضوح في النقاشات اللبنانية الأخيرة حول مسألة المفاوضات المباشرة مع إسرائيل، حيث طُرح أن يشارك ممثلون عن الطوائف الكبرى كوفد تفاوضي. هذا الطرح، بدل أن يقدّم حلًا، يكشف عمق الأزمة. إذ يعني أن السلام لا يُناقش كقرار وطني جامع، بل كصفقة بين هويات متنافسة، فيتحوّل السلام إلى ساحة صراع جديدة، لا إلى نهاية للصراع. فهل يمكن لنظامٍ سياسي مركزي هشّ أن ينتج تفاوضًا قادرًا على الوصول إلى نتائج مستدامة؟

إن "قلق السلام" ليس عارضاً نفسياً عابراً، بل هو انعكاس لفشل المجتمعات في الانتقال من منطق الصراع الدائم إلى منطق الاستقرار المستدام. فالسلام الحقيقي لا يُبنى فقط بتوقيع الاتفاقيات، بل بإعادة تعريف الذات والآخر خارج ثنائية العدو والصديق. وهذا مسار طويل، يتطلب شجاعة نفسية على مستوى الجماعات بقدر ما يتطلب إرادة سياسية على مستوى القيادات.

في النهاية، قد يكون السؤال الأصدق ليس: هل يمكن تحقيق السلام؟ بل: هل جميع المكونات اللبنانية مستعدة لتحمّل تبعاته النفسية؟ فالسلام، في جوهره، ليس فقط غياب الحرب ولا هدنة طويلة، بل تحوّل في القيم، من إدارة الصراع إلى إدارة الحياة. عالمٌ أقلّ يقيناً، لكنه أكثر احتمالاً للحياة. فربما لا يكون السلام نهاية الألم، بل اللحظة التي يفقد فيها الألم والصراع معاً صفة القدر.