صدر قبل أيام كتاب "الأزمة الثقافية للمسيحية السياسية اللبنانية و "صحوتُها""، للصحافي جهاد الزين عن "دار سائر المشرق". هو كتاب يصدر من قلب الاشتباك الفكريّ مع الدولة اللبنانية، لا مِن هامشها. يقرأ نشوء الكيان من بوّابة التعليم، ويتتبّع كيف صنعت المدارس والجامعات نخبة قادرة على تأسيس دولة، ثمّ عجزت عن حمايتها. يُعيد النظر في سرديّات الحرب والوصايات والتحالفات الإقليمية، ويضعها ضمن بُنية ثقافية وسياسية أعمق من الوقائع اليومية. يناقش الكتاب علاقة المعرفة بالسلطة، ودَور اللغة في تشكيل الوعي العامّ، وتأثير الترجمات والنهضة على تكوين المجال العام الحديث. وفي ما يلي، فصلٌ من الكتاب تنشره لكم "نداء الوطن".
هذا ليس عملًا توثيقيًا، ولكنّه شهادة رصد وخبرة اكتسبتُها من تجربة جيل بكامله، هو جيلي. إنها اعتراف بحصيلة تجربة جعلتني أصِلُ ليس متأخّرًا كثيرًا إلى ما أعتبره صحّة المقاربة المسيحية اللبنانية للأحداث التي شهدها لبنان منذ أكثر من خمسين عامًا. إنّها شهادة عامّة، لا تعني مطلقًا الموافقة على الأفعال التي ارتكبتها قوى سياسية باسم المسيحيّين.
نعم، عام 1969، أخلّ المسلمون اللبنانيّون بالميثاق الوطني، عندما وافقوا أو تحالفوا مع السلاح الفلسطيني ضدّ الدولة اللبنانية، وهو الإخلال الذي جعل القوى المسيحية ترتكب الخطأ المقابل بالحدّ من مركزية الاعتماد على الدولة اللبنانية عام 1975، من حيث اللجوء إلى السلاح خارجها. كان الموقف المسيحي السياسي نوعًا من التعطيل في الصيغة (وردًّا متأخّرًا ستّ سنوات) على الإخلال المسلم بالميثاق. وفي الحالتَين، كان الصراع السياسي يتمظهر بمستويات مختلفة داخل الدولة وخارجها، كما بولاءات متداخلة على جبهة انقسام شامل: الخارج الخارجي و "الخارج" الداخلي.
المقاربة المسيحية كانت صحيحة جوهريًا مع رفض وصاية النظام السوري ذي الطبيعة الأمنية على الدولة اللبنانية، مع فارق هذه المرّة أنّ موقف المسلمين اللبنانيّين، السُّنّة والدروز وجزء كبير من الشيعة، لم يكن بإرادتهم بل كانوا مرغمين عليه، أي على الظهور بمظهر القابلين بالوصاية، فيما الجزء الآخر من الشيعة ممثَّلًا بحركة "أمل" و "حزب اللّه"، كان قد أصبح معتمدًا على تحالف إقليمي قويّ من النظام السوري والجمهورية الإسلامية في إيران التي كانت مباشرة وراء تأسيس "الحزب".
في المراحل الثلاث الفلسطينية والسورية والإيرانية، كانت المقاربة المسيحية الجوهرية صحيحة من حيث رفض السيطرة على الدولة اللبنانية، وكانت الذروة هي رفض تحوّل "حزب اللّه" إلى دولة وجيش داخل الدولة.
في سياق هذا الكتاب، أشرح كيف أُخضِع اللبنانيّون لابتزاز تاريخي، هو أنّ دعم القضية الفلسطينية يكون بالخيار العسكري، فيما كان بالإمكان، ولا يزال إلى اليوم هذا الدعم ممكنًا بالأدوات الثقافية والإعلامية والسياسية، التي يستطيع اللبنانيّون عبرها تقديم الكثير ضدّ الظلم التاريخي الفاحش الذي يتعرّض له الفلسطينيّون، وخصوصًا اليوم على يد اليمين العنصري الإسرائيلي الحاكم. الكتاب يذهب إلى قراءة ثقافية وتعليمية وسياسية لبُنية الكيان اللبناني المعاصر، كما يقف عند وجوه الثقافة السياسية والفكرية والفنية والعامّة للبيئة المسيحية فيه.
مدخل
نقاشان لا ينطفئان في ثقافتي السياسية: هل لبنان مات أم لم يمت؟ هل أميركا تزدهر أم تنحطّ؟ لا تتكوّن الثقافة السياسية من معلومات، تكديس معلومات هنا وهناك وهنالك أو من كتب ومصادر معرفية أخرى مكتوبة، بل، إذا جاز لي التعبير، تتكوّن أو تتراكم من إشكاليّات، أسئلة وحوارات ذاتية دائمة حول طبيعة القضايا المطروحة على الشأن العامّ. لكلّ متابع شغفه، أو مخاوفه، أو مخاطره.
نهاية العام أو بدايته هي دائمًا مناسبة للمراجعة الذاتية في أمور كثيرة، بينها مدى تراكمات وفجوات، بل فراغات ثقافة الكاتب الشخصية والمهنية والسياسية والأدبية والتاريخية والاجتماعية. صحيح أنّها مراجعة ذاتية من المفترض أن تكون قائمة في كلّ وقت، لكنّ بداية العام أو نهايته بما تبدو عليه من بداية ونهاية للأشياء والزمن تستدرجان الكاتب دائمًا إلى حالة من المراجعة المفروضة والمفترضة والفارضة.
في مجال الإشكاليّات السياسية والحضارية، وهي كثيرة، هناك إشكاليّتان لا تفارقان ذهني، كلّ منهما لأسبابها. الأولى تفرض نفسها بسبب عالميّتها، والثانية بسبب تأثيرها الوجودي على اللبنانيّين. وقد تكون فرصة لي، ولو في مدخل كتاب عن لبنان، أن أتحدّث بشكل عامّ عن الإشكاليّتين دون أن أجد نفسي ملزَمًا بالربط الضروري بينهما، سوى في مكاشفة أنّهما معًا تشغلانني في متابعاتي السياسية الثقافية ونسبيًا الاقتصادية السياسية من حيث الضرورة.
عندما أقمتُ في الولايات المتّحدة الأميركية لحوالى العام، عام 1988، وكنت قد زرتُها قبل ذلك سياحيًا مرّة واحدة، فوجئتُ، كلّما عدتُ إليها بعد 1988 خلال عقود التسعينات والعشرية الأولى والثانية من القرن الحادي والعشرين، بحجم النقاش المتواصل بين النخب الأميركية كتبًا ومنابرَ حول هل أميركا قوّة عظمى صاعدة أم هابطة؟ عسكريًا؟ واقتصاديًا؟ وثقافيًا؟ وسياسيًا؟ وعلميًا؟ وتكنولوجيًا؟ وهو نقاش كان كتاب بول كينيدي "صعود وسقوط القوى العظمى" محطّة مهمّة فيه منذ صدوره عام 1987، وكان هناك دائمًا رأيان مختلفان ومتناقضان: الأوّل يعتبرها هابطة والثاني مزدهرة.
منذ ذلك التاريخ، أي منذ حوالى 35 عامًا، اخترعتْ أميركا إعلام اللحظة الدائمة عبر كلّ الكرة الأرضية وبواسطة الأقمار الصناعية (CNN)، ثمّ الإنترنت والكمبيوتر الشخصي، ثمّ الهاتف المحمول، ثمّ الهاتف الكومبيوتر والهاتف التلفزيون، ثمّ منصّات الذكاء الاصطناعي؛ كلّ ذلك وغيره حتى غيّرت العالم وتغيّرت معه. ثمّ جاء امتحان وباء الكورونا وثبت أنها الأولى والأفعل في اكتشاف اللقاح الأكثر فعالية المضادّ له، بينما تخلّفت وراءها كلّ قوى الغرب والشرق. وأثبتت أميركا أنّها لا تزال قوّة مزدهرة وليس متراجعة، بما في ذلك التحدّي الصيني المدهش والهائل، ولكن الذي لا يزال وراءها رغم مخاوفها منه، ورغم أنّ الصين أصبحت منافسها الاقتصادي الأوّل.
كلّ هذا حصل علميًا واقتصاديًا، وأميركا تزدهر. وما زال النقاش إلى اليوم كما يستطيع أن يرى أيّ متابع لغوغل، كما للعديد من المقالات والكتب التي تصدر، بل لم يتوقف يومًا السؤال الأميركي الداخلي، وفي كلّ العالم، هل هي قوّة صاعدة أم منحدرة؟!! مع ضرورة وضع علامات التعجّب والإعجاب أكثر من علامات الاستفهام. وصل هذا النقاش إلى حدّ أنّ التلفزيون الألماني الرسمي (DW) عرض برنامجًا عن ظاهرة غير مسبوقة في أميركا، وهي بدء ظاهرة هجرة أميركيّين من الولايات المتحدة للعيش في أوروبا، فيما كان يجري العكس سابقًا.
أمّا النقاش الآخر، وهو نقاش وجودي بالنسبة إليّ وإلى الكثيرين من اللبنانيّين، فهو أقدم في خاطري وثقافتي لأنه بدأ منذ العام - المنعطف 1975، أي منذ ما يقترب حثيثًا ليصبح أكثر من نصف قرن، تاريخ اندلاع الحرب الأهلية، وهو: هل لبنان مات أم لم يمت؟ وما زال السؤال نفسه يشغل اللبنانيّين وقد دخلت نخبهم في جيل الهجرة الثاني إلى عواصم الغرب، وما زلت شخصيًا في قلب هذا النقاش من بيروت مع ازدياد ميلي السوداوي والمأسَوي، منذ خمسين عامًا إلى اليوم رغم موجات التفاؤل القليلة التي يصيبني رذاذها بين الحين والآخر.
سأبدأ بالفرضية الأولى، وأنتقل سريعًا إلى عكسها.
- لبنان الذي نعرف مات:
الهجرة المتواصلة، الظاهرة الفلسطينية، الاجتياح الإسرائيلي، الاحتلال الإسرائيلي، النزوح السوري، السيطرة الإيرانية ولو المتراجعة، انحطاط الطبقة السياسية اللبنانية وتولّي سياسيّين السلطة معظمهم قَتَلة، انحطاط النخبة السياسية المسيحية التي أنتجت ذات يوم شخصيّات رفيعة المستوى في الشأن العامّ وقادت مرحلة طليعية، ووسط كلّ ذلك استمرار هرب النخب الكُفؤ والأكثر كفاءة من كلّ الطوائف، الانهيار الاقتصادي، انهيار القطاع المصرفي، انهيار مؤسّسات الدولة، انهيار التعليم الرسمي، انهيار الضمان الاجتماعي. هذه كلّها عناوين لموت آخر متواصل، وجديد للبنان.
- لبنان لم يمت:
استمرار قطاع واسع من مدارس التعليم الابتدائي والثانوي الخاصّ في المدن والأرياف بتوفير تعليم ذي مستوى محترم، ما يجعل لبنان من البلدان القليلة في العالم المثلّثة اللغات، الوطنية والفرنسية والإنكليزية. وفي المقدّمة في مدارسه النخبوية في الشرق الأوسط استمرار وجود فعّال لجامعات كبرى خاصّة هي أيضًا بين الأفضل في الشرق الأوسط، أولاها الجامعة الأميركية في بيروت والجامعة اليسوعية والجامعة اللبنانية الأميركية وجامعة الروح القدس - الكسليك، وجامعة سيّدة اللويزة وجامعة البلمند، وربّما لاحقًا وسريعًا جامعة القدّيس جاورجيوس، وغيرها قليل جدًا من الجامعات مقابل انتشار دكاكين جامعية فضائحية، بعضها أوغل في عمليّات تزوير الشهادات بما يشكّل خطرًا على الأمن التربوي الجامعي، خصوصًا في ظلّ استمرار غياب أيّ مساءلة قضائية حتّى الآن، رغم إحالة الملفّ على القضاء بعد انكشاف الفضيحة.
لبنان لعلّه الدولة النادرة في العالم، ولا أريد أن أقول الوحيدة، التي وُلِدت كدولة من شبكة مدارس وجامعات في جبل لبنان وفي بيروت أساسًا بفضل إرساليّات وجمعيّات ورهبانيّات، وفي طرابلس وصيدا ولاحقًا بعض مدن الأرياف، وهذا يجعل الحفاظ على القطاع التعليمي النخبوي مهمّة استراتيجية لمستقبل المجتمع والدولة.
