في أعقاب جولة جديدة من المفاوضات الأمريكية–الإيرانية، برز تصريح لنائب الرئيس الأميركي جاي دي فانس أشار فيه إلى فشل التوصل إلى اتفاق، معتبرًا أن هذا الإخفاق يشكّل خبرًا سيئًا لإيران أكثر مما هو للولايات المتحدة. هذا التصريح، وإن بدا في ظاهره توصيفًا لمسار تفاوضي متعثر، إلا أنه يعكس في العمق استمرار منطق إدارة الصراع بدل حسمه، في ظل رغبة معلنة لدى إدارة دونالد ترامب في إنهاء حالة الاشتباك المفتوح.
غير أنّ انعكاسات هذا المشهد الدولي لا يمكن فصلها عن الواقع اللبناني، حيث تتقاطع الأزمات الداخلية مع التوترات الإقليمية، لتضع الدولة أمام اختبار سيادتها، كالعادة.
وفي هذا السياق، يبرز طرح رئاسة الجمهورية للذهاب إلى مفاوضات غير واضحة الأهداف مع إسرائيل كخيار مطروح، و يُسوَّق له باعتباره خطوة استثنائية تفرضها الظروف.
إلا أنّ العودة إلى التاريخ تكشف أن هذا المسار ليس جديدًا، فقد شهد لبنان تجربة مماثلة في اتفاق 17 أيار عام 1983، الذي أُقرّ في البرلمان قبل أن يسقط لاحقًا بفعل توازنات داخلية وإقليمية معقدة، قادها آنذاك رئيس مجلس النّواب الحالي نبيه برّي، عرّاب المفاوضات اليوم.
ممّا لا شكّ فيه أنّ من الضروري إعادة طرح القاعدة السياسية التي أرساها ونستون تشرشل خلال الحرب العالمية الثانية: “لا مفاوضات تحت النار”. فالتفاوض، لكي يكون تعبيرًا عن سيادة، يفترض توافر الحد الأدنى من مقومات الدولة، وفي مقدّمها احتكار السلاح والقرار الأمني. أما في الحالة اللبنانية، فإنّ واقع انتشار السلاح خارج إطار الدولة، وتحديدًا سلاح حزب الله، يطرح إشكالية جوهرية حول من يملك قرار الحرب والسلم…و المفاوضات.
إذا كانت الدولة اللبنانية نفسها تعلن أنها لم تكن صاحبة قرار الدخول في الحرب، فإنّ السؤال البديهي يصبح : على أي أساس تفاوض؟
وكيف يمكن لدولة أن تخوض مسارًا تفاوضيًا سياديًا فيما قرارها الاستراتيجي مُصادَر؟ إنّ هذا التناقض يكشف خللًا كبيراً في جدّية قرار الدّولة بحظر حزب الله.
و هذا ما يبيّن ، أنّ الإجراءات الرسمية غالبًا ما تظل في إطار البيانات الشكلية. فبعد هذه الخطوة المبتورة، يعاد النّظر في قرار اعتبار أنشطة حزب الله “خارجة عن القانون” بأنّها لا ترقى إلى مستوى الفعل السياسي إذا لم يُرفق بإجراءات تنفيذية واضحة، كما حصل تاريخيًا مع أحزاب أخرى كالحزب السوري القومي الإجتماعي تمردت على الدولة، حيث جرى حلّها وملاحقة كوادرها. أما الاكتفاء بالشعارات، و إتّكال فخامة الرّئيس على حكمة الرّئيس برّي في إدارة الأمور، فيعكس عجزًا لا يمكن التغطية عليه بمبادرات فضفاضة أو خطوات غير مكتملة.
وفي موازاة ذلك أيضاً، تبرز مسألة العلاقة مع إيران، خاصة في ظل مواقف وتصريحات صادرة عن شخصيات قريبة من دوائر القرار الإيراني، مثل علي أكبر ولايتي، والتي تحمل في طياتها تهديدات مباشرة لرئيس الحكومة اللبنانية. ورغم ذلك، لم تبادر الدّولة إلى اتخاذ خطوات سيادية واضحة، كإعادة تقييم العلاقات أو حتى توجيه رسائل دبلوماسية حازمة، ما يعزز الانطباع بغياب الإرادة السياسية أو وجودها في مقرّات أخرى.
إنّ الذهاب إلى مفاوضات مع إسرائيل في ظل هذا الواقع لا يمكن اعتباره مسارًا سياديًا مكتملًا، بل قد يتحول إلى مدخل لفرض واقع جديد، عنوانه انتقال لبنان من وصاية إلى أخرى: من نفوذ إيراني إلى ضبط إيقاع إسرائيلي، بطبيعة الحال، لن تعمل على حلّ أزمة لبنان، بل ستسعى إلى استثمار تناقضاته الداخلية بما يخدم مصالحها الأمنية والإقليمية.
وعليه، فإنّ أي حديث عن سلام أو تطبيع في ظل غياب دولة فعلية، يبقى حديثًا منقوصًا، بل قد يفضي إلى تكريس اختلالات أخطر. فالسلام الحقيقي لا يُبنى على الضعف، بل على توازن القوى ووضوح القرار. وبدون استعادة الدولة اللبنانية لسيادتها الكاملة، وفي مقدمتها حصرية السلاح، سيبقى أي مسار تفاوضي أقرب إلى الخضوع منه إلى الشراكة.
ختامًا، إنّ الأزمة اللبنانية اليوم ليست في غياب الخيارات، بل في غياب القرار. و في غياب المصارحة.
وبين شعارات السيادة وواقع الانقسام، يقف لبنان على مفترق طرق حاسم : إما استعادة الدولة و البحث في مسألة النّظام، أو الاستمرار في دوامة الوصايات المتبدلة.