في حالات الحزن الشديد، قد نصاب بنوبات ضحك غير منقطعة! لماذا؟ لن نفلش كتب علم النفس ولا أوراق البردى العتيقة من زمن الفراعنة، فالوضع على ما يبدو لا يحتمل هذا القدر من الجديّة. سنحاول فقط أن نقارب الحزن الشديد والحِداد كأنهما هبوطان اضطراريّان، واحد منهما على الأقل بلا إذن مسبق، ينحدران أحيانًا بلطف وأحيانًا بشكل حادّ، تصطف على جانبَيهما المناديل وعبارات المؤاساة كأنها لافتات تحاول أن تعطي اتجاهًا لشيء لا اتجاه له، وكأنها تشرح لنا الطريق بعد أن نكون قد وصلنا فعلًا. في الحقيقة هو أقرب إلى غرفة انتظار بلا ساعة، أو بساعة معطّلة تُواصِل أداء دورها بثقة. نجلس، نقف، نغيّر مقاعدنا، ننظر إلى الآخرين ونتساءل إن كانوا يحملون التذكرة نفسها غير المرئيّة التي بحوزتنا. لا أحد يعرف متى يأتي دَوره، ولا حتى ما هو هذا الدَّور، ومع ذلك يبدو أن الجميع مستعدّ له بطريقة ما.
غرفة انتظار بلا ساعة
في زمن الحرب لا تعود المساحات كما كانت. حتى الانتظار نفسه يفقد شكله القديم، يصبح كأنه بقايا مكان لا يكتمل. مع ذلك يظلّ الناس يتصرّفون كما لو أن النظام لم ينهَر تمامًا، أو كأن الانهيار مجرّد عطل موقت سيُصلّح لاحقًا. إنه نوع من الإصرار الهادئ يدفعهم للاستمرار، ليس لأن الأمور مفهومة بل لأنها لم تعد تحتمل، وكأن الفهم ترف يمكن تأجيله. في تلك الحالة يبدأ العقل بالتصرّف بطريقة ملتوية بعض الشيء، يبتكر أساليب غريبة لا تبدو منطقية لكنها تؤدي الغرض، مثل حلول إسعافية لا يثق بها أحد لكنها تُستخدم على أي حال. لا تزيل الألم ولا تخففه بشكل مباشر، لكنها تجعله أقلّ استحواذًا، كأنه شيء يمكن التعايش معه من دون أن يبتلع ما تبقى من الداخل، أو على الأقلّ يؤجّل ذلك قليلًا.
أيام لا تُحسب
إحدى هذه الطرق أن نقلب التقويم. وبدلًا من عدّ الأيام منذ الغياب، نخترع أيامًا جديدة، جدولًا زمنيًّا بديلًا لا يعترف به أحد لكنه يعمل بشكل مدهش. اليوم قد يكون اليوم الذي كان سينسى فيه سقي نبتة، وغدًا ربما اليوم الذي كانت ستقول فيه شيئًا غير مناسب قليلًا على مائدة العشاء، ذلك النوع من التعليقات الذي يربك الجميع ثم يُنسى لاحقًا. لا شيء يتغيّر فعلًا، ومع ذلك يستعيد الزمن شيئًا من ملمسه، لا يعود متجمِّدًا تمامًا، بل يتصرّف كأنه يحاول التعاون.
فوضى وخطّة
هناك من يُفضل أسلوبًا أكثر غرابة، أشبه بفوضى منظمة، وهي عبارة تبدو متناقضة لكنها تعمل بكفاءة مفاجئة. إذا كان كلّ شيء يبدو فوضويًا، فلماذا لا تُشكَّل الفوضى نفسها لتصبح مقصودة، كأنها قرار واعٍ لا نتيجة عرضيّة. فكتاب موضوع بشكل مائل قليلًا يتحول إلى إشارة، وكرسيّ لم يُدفع تمامًا إلى مكانه يصبح أثرًا، كأنه تحدٍ خفيف للفراغ، ورفض لأن يستقر الغياب بسهولة، أو على الأقل من دون مقاومة شكليّة.
في زمن الحرب تُقنن المشاعر كما تُقنن الموارد. لا يمكن الشعور بكلّ شيء دفعة واحدة من دون أن ينهار المرء، وهذا على ما يبدو من القرارات الحكيمة النادرة. لذلك يُمنح الحزن أوقاتًا محدَّدة، بضع دقائق أثناء ارتداء الملابس، لحظة أثناء انتظار غليان الماء، وربّما تأجيله إذا تأخر الماء أكثر من اللازم. يبدو الأمر آليًا، شبه عبثي، لكنه يسمح بالاستمرار أو على الأقل يخلق وهْم السيطرة. يصبح الألم مجدوَلًا ضمن الوقت، محدودًا بما يكفي ليُحتمَل، أو ليبدو كذلك.
كما تصبح الدعابة السوداء لغة هادئة في هذا السياق، ليست صاخبة ولا مستهترة، بل دقيقة، كأنها تعرف حدودها جيدًا. ملاحظة تميل نحو الحرج دون أن تنزلق إلى القسوة، انزياح صغير في النبرة يسمح بالتنفس حيث يبدو التنفس مستحيلًا.
عزاء غير متوقع
في الحرب تصبح الذاكرة نفسها غير مستقرّة، تتغيّر، تتشظى، يعاد تشكيلها، وكأنها تراجع نفسها باستمرار من دون الوصول إلى نسخة نهائية. بدلًا من مقاومة ذلك، يمكن السماح به أو على الأقل التظاهر بالقبول. التذكُّر بشكلٍ غير دقيق، المبالغة في تفصيل، نسيان آخر، كل ذلك ليس خيانة، بل تكيُّف. الذاكرة ليست أرشيفًا ثابتًا، بل كائن حيّ متقلِّب.
هناك أيضًا نوع هادئ من التمرُّد بالقيام بأشياء تبدو تافهة: كقراءة كتاب تافه، الاستماع إلى موسيقى خفيفة، الانتباه لتفاصيل صغيرة. في عالم مثقل بالثقل، تصبح هذه الأفعال مقاومة، أو على الأقل محاولة لعدم الانسحاب بالكامل، تؤكد أن الحياة ليست محصورة بالكامل في المأساة، حتى لو حاولت المأساة إقناعنا بذلك.
ربما أكثر الأفكار إرباكًا أن الحزن لا ينتهي فعلًا، يتغيّّر، يتحرّك، يتحوّل، لكنه لا يختفي كضيف ثقيل قرر البقاء من دون إعلان. وهذا ليس قاتمًا تمامًا، بل يعني أن الرابط يبقى بشكل مختلف، أقلّ وضوحًا لكنه حاضر.
ومع الوقت تظهر أفكار أخرى لا تقل غرابة لكنها تحمل نوعًا من العزاء غير المتوقع. مثلًا يمكن للإنسان أن يعيد ترتيب الأماكن كما لو أنه يفاوض الواقع، أو يعيد التفاوض معه بشروط أقلّ قسوة. نقل الأشياء من مكان إلى آخر ليس بدافع التنظيف بل بدافع إعادة رسم الخريطة الداخلية، كأنّ تغيير موقع طاولة أو صورة يخلق مسافة جديدة بينه وبين الألم. مسافة صغيرة لكنها كافية لالتقاط النفس.
بلا موعد
هناك أيضًا فكرة التعامل مع الذكريات كأنها ضيوف غير منتظمين، لا يجري استدعاؤهم عمدًا ولا طردهم بعنف، بل يُترك لهم أن يأتوا ويغادروا وفق أمزجتهم، ضيوف بلا مواعيد واضحة. حين تحضر ذكرى ثقيلة يمكن تقديم شيء بسيط لها، لحظة هدوء أو حتى ابتسامة خفيفة، وكأنها ستجلس قليلًا ثم تنصرف.
في بعض الأحيان يصبح الجسد نفسه وسيلة للفهم: المشي بلا هدف واضح، لمس الأشياء، الوقوف طويلًا أمام نافذة. لا تقدّم إجابات، لكنها تمنح إحساسًا بأن الحياة لا تزال ملموسة وليست فكرة بعيدة.
وهناك أيضًا نوع من التصالح مع اللامعنى، والاعتراف بأن بعض الأسئلة قد تبقى بلا أجوبة ليس استسلامًا بل تخفيف للعبء. وبدلًا من البحث المستمر عن تفسير، يمكن الاكتفاء بالمرافقة، مرافقة الشعور كما هو من دون محاولة إصلاحه، كأنه عطل لا يمكن إصلاحه حاليًا.
خفة غير متوقعة
ومع كل ذلك، تظهر لحظات صغيرة من خفة غير متوقعة، لحظات لا تلغي الحزن لكنها تترك فيه شقوقًا يدخل منها الضوء. هذه الشقوق لا تُصنع بالقوة، بل تظهر حين يتوقف الإنسان عن مقاومة كل شيء دفعة واحدة، ويكتفي بأن يكون حاضرًا، حتى لو كان حضوره ناقصًا، أو مؤجلًا جزئيًا.
وهكذا يمضي الإنسان قدمًا بشيء من الاختلال، بأفكار لا تبدو منطقية دائمًا وعادات قد تبدو غريبة، أو غير قابلة للتفسير بسهولة. يتحدّث إلى الصمت، يضحك في وقت غير مناسب، يتمسّك بتفاصيل لا يُفترض أن تكون مهمّة لكنها تصبح كذلك. وعلى عكس المتوقع، يكفي ذلك للاستمرار أو على الأقلّ لعدم التوقف الكامل.
في هذا المزيج من الثقل والغرابة يظهر نوع من التوازن، توازن غير مستقرّ لكنه يعمل بطريقة ما. إنه ليس حلًّا ولا جوابًا، بل طريقة للعيش إلى جانب الغياب، أو للتحايل عليه قليلًا. وفي عالم يمكن أن يتغير فيه كلّ شيء من دون إنذار، يصبح هذا الصمود الهش وغير المثالي شكلًا من أشكال القهقهة المكتومة، قهقهة لا تُسمع بوضوح لكنها كامنة، وتؤدّي الغرض.