الياس دمّر

العقل الذي يُبرّر الحرب

هل تغيَّر واقعنا بين مُحاكمات نورمبرغ ومعارك اليوم؟

4 دقائق للقراءة

اعتاد لبنان الأزمات أكثر من الحلول، لتبدو العدالة فكرة مؤجَّلة... لا تغيب تمامًا لكنها لا تصل أبدًا! تتراكم الكوارث، تتبدّل الوجوه وتُعاد صياغة الروايات، فيما يبقى السؤال الأساسي بلا جواب: من يُحاسَب؟

في الموازاة، تعيش منطقتنا على إيقاع مشهدٍ مُتكرِّرٍ بين حروبٍ يُعاد إنتاجها، خساراتٍ تُطوى سريعًا، وذاكرةٍ تُستنزف من دون أن تُمنح فرصة الفهم أو الإنصاف. كأنّ التاريخ لا يُكتب ليُحاسِب، بل ليُعاد. وسط هذا الواقع، يفرض الخيال نفسه: ماذا لو وُجدت لحظة مواجهة حقيقيّة؟ ماذا لو تحوّل كلّ ما نعيشه إلى قاعة محكمة، لا إلى نشرات أخبار؟ من هنا، لا يبدو استحضار مُحاكمات نورمبرغ مُجرَّد عودة إلى الماضي، بل محاولة لقراءة الحاضر وفهْم ما إذا كانت العدالة، يومًا، ستكفّ عن التأجيل.

في فيلم "Nuremberg" للمُخرج والكاتب James Vanderbilt، لا تُستعاد مُحاكمات ما بعد "الحرب العالميّة الثانية" بوصفها حدثًا تاريخيًا فحسب، بل كفضاءٍ دراميّ يتصارع فيه العقل مع ذاته، ويُختبر فيه مفهوم العدالة أمام هشاشة الطبيعة البشريّة.

مُقتبَسًا من كتاب "The Nazi and the Psychiatrist"، يضعنا الفيلم داخل لعبة ذهنيّة مُعقدة بين الطبيب النفسيّ الأميركيّ "Douglas Kelley" (في دَوره Rami Malek) والقيادي النازي "Hermann Göring" (في دَوره Russell Crowe)، ضمن سردٍ يُحاول تفكيك أساسات الشر بدل الاكتفاء بإدانته.


صراع العقول

يبتعد الفيلم عن الشكل التقليديّ لأفلام المحاكم، ليقترب أكثر من مُبارزةٍ نفسيّةٍ بين شخصيّتَين متناقضتَين. فبدل التركيز على وقائع المُحاكمة، ينشغل السيناريو بتلك المسافة الرماديّة بين الطبيب والسجين، حيث تتحوّل جلسات التقييم النفسيّ إلى حلبةٍ صامتة للسّيطرة والتلاعب. "غورينغ"، كما يُقدّمه كرو، ليس مجرّد مُتهم، بل عقل استراتيجي يُدرك أن المُحاكمة منصَة خطابيّة بقدر ما هي إجراء قانوني.

في المقابل، يبدو كيلي شخصية مُتصدّعة، مدفوعة بطموحٍ شخصيّ ورغبةٍ في ترك أثرٍ تاريخي، ما يجعله عرضة للانجذاب إلى موضوعه.

هذا التوتر يُعيد صياغة السؤال المركزي: هل يُمكن فهم الشر من دون الوقوع في فخ تبريره؟ يُلمح النص بوضوح، إلى أن النازيّة لم تكن استثناءً شيطانيًا، بل نتاج منظومةٍ بشريّةٍ سمحت لها بالحدوث، وهي فكرةٍ يُكرّرها الفيلم عبر حواراته وتأمُّلاته الأخلاقيّة.

كما ينجح المُخضرم راسل كرو في تقديم أحد أكثر أدواره تعقيدًا، حيث يجمع بين الكاريزما والبرود، وبين الذكاء والإنكار. أداؤه يمنح الشخصيّة بُعدًا إنسانيًا مُقلقًا، يجعل المُشاهد في حالة نفور وانجذاب في آنٍ واحد. وعند مُشاهدة الفيلم، تبيَّن لنا أن حضور كرو هو العمود الفقري للفيلم. في المقابل، يُقدّم رامي مالك أداءً غير متوازن. نراه ينجح حينًا في التعبير عن الصراع الداخليّ عبر الصّمت وردود الفعل، بينما يأتي أداؤه مُبالَغًا فيه أو غير متماسك ضمن مَشاهد لاحقة، ما يُضعف توازن المواجهة الدراميّة.


حصان طروادة

يُقدّم جيمس فاندربيلت  في "Nuremberg"، إخراجًا ينطلق من حسّ كلاسيكيّ واضح، أقرب إلى أفلام المحاكم الكبرى ذات البُنية التقليديّة، حيث تُبنى الدراما على الحوار والأداء أكثر من الصورة أو التجريب البصري. هذا الخيار يمنح الفيلم وضوحًا وسلاسة في السّرد، لكن في الوقت نفسه يضعه ضمن إطارٍ مألوف، يكاد يُقيّد طموحه بدل تحريره. فالفيلم، كما يبدو، يُفضل أن يكون مفهومًا ومُباشرًا على أن يكون صادمًا أو مُقلقًا بصريًا.

يعتمد فاندربيلت أسلوبًا يمكن وصفه بـ "الحصان الطرواديّ" (The Trojan Horse style)، إذ يُقدِّم عملًا تاريخيًا تقليديّ الشكل، لكنه يُحمّله إشاراتٍ مُعاصرة حول الحروب والإفلات من العقاب، وكأنه يُهرِّب أسئلة الحاضر داخل سرديّة الماضي. هذه المُقاربة تمنح الفيلم بُعدًا فكريًا واضحًا، لكنها تبقى محكومة برغبةٍ في الإيضاح أكثر من المغامرة، ما يجعل الرسائل أحيانًا، مباشرة أكثر ممّا ينبغي.

في المقابل، يُؤخذ على الإخراج ميله إلى الجاهزيّة (Readiness) أو النمطيّة في التنفيذ. إذ تُختزل بعض التعقيدات الدراميّة في بناءٍ تقليديّ يعتمد على تصاعدٍ مُتوقع، بينما يبدو بعض الشخصيّات مرسومًا بخطوطٍ أوليّة أكثر من كونها مُكتملة. كذلك، إيقاع الفيلم، رغم امتداده الزمني لحوالى ساعتَين ونصف السّاعة، لا يسمح بالغوص العميق في كل القضايا التي يطرحها، فيكتفي بلمسها بدل تفكيكها.


مُشاهَدة ضرورية

أهميّة "Nuremberg" تنبع من موضوعه وجرأته في طرح أسئلة أخلاقيّة مُقلقة، حول طبيعة الشر ومسؤوليّة الأفراد داخل الأنظمة الشموليّة. ويترك الفيلم أثره لا عبر الإجابات، بل عبر القلق الذي يزرعه: هل كان هؤلاء وحوشًا أم بشرًا عاديّين في ظرفٍ استثنائي؟ سؤال يظلّ مفتوحًا، وربَّما هو ما يجعل الفيلم جديرًا بالمُشاهدة في صالات السّينما اللبنانيّة... والنقاش بعدها.