المسار الياباني-الأميركي: حين يسبق العناد الانفجار
في تلك الأيام المحملة برائحة الكبريت وأدخنة الحرائق، لم تكن الدبلوماسية بين واشنطن وطوكيو مجرد تبادل للرسائل، بل كانت رقصة موت على حافة الهاوية. قبل هيروشيما بسنوات، وقبل "بيرل هاربر" بأيام، وتحديدا بتاريخ 16 تشرين الثاني من العام 1941، قدم وزير الخارجية الأمريكي كورديل هال مذكرة اعتُبرت في طوكيو "إنذاراً نهائياً" حيث طالبت واشنطن بموجبها بانسحاب ياباني غير مشروط من الصين والهند الصينية.
حينها صرّح رئيس الوزراء الياباني، الجنرال توجو: ان قبول شروط واشنطن هو انتحار للأمة، والموت في المعركة أجمل من الموت جوعاً تحت الحصار".
وبحلول صيف 1945، كانت اليابان تحتضر اقتصاديًا، لكن كبرياء العسكر كان يمنع الاستسلام. ويذكر التاريخ كيف أصدر الحلفاء "إعلان بوتسدام" الذي طالب بالاستسلام غير المشروط. وكان للرئيس الأميركي ترومان موقف قاس للتاريخ، مفاده " اذا لم يقبلوا بشروطنا، فعليهم أن يتوقعوا مطراً من الخراب يسقط من السماء، لم يشهده هذا الكوكب من قبل".
ردت اليابان عبر رئيس الوزراء كانتارو سوزوكي بكلمة "Mokusatsu" (موكوساتسو) للرد على الإنذار، ما يعني "تجاهل الأمر بالصمت" أو "قتله بالصمت". في حين أن واشنطن فسرتها على أنها "احتقار ورفض"، بينما كان اليابانيون يقصدون "التريث للدراسة".
هذا "الضياع في الترجمة" كان الضوء الأخضر لإطلاق "الولد الصغير" (Little Boy) فوق هيروشيما.
يستشف من هذا السرد التاريخي على أن الولايات المتحدة الأميركية لا اليوم ولا في العام 1945 تفاوض لتصل إلى حل وسط بل تفاوض لتثبيت واقع جيوسياسي جديد، في السابق كانت توجه رسالة الى الاتحاد السوفييتي، أما اليوم فهي توجه رسالة الى العالم أجمع لا سيما الصين وروسيا وحتى الأوروبيين وحلف الناتو.
ولا يعبر عن هذا الواقع الا تصريح روبرت أوبنهايمر (أبو القنبلة) فيما مضى والذي صرح أن: "الآن أصبحتُ أنا الموت، مدمر العوالم"، واليوم ما يصرح به ترامب يوميًا، أنه سيمحي ايران عن الوجود فيما لو لم تستكين. هذا هو لسان حال التفاوض الأميركي: إما الخضوع التام أو الفناء الشامل.
وإذا ما أردنا المقارنة بين رد الفعل الياباني قبل تفجيرها عن بكرة أبيها، وردة فعل ايران اليوم، فنرى الموقف الرسمي واحد، وحتى الموقف المنقسم واحد. فالموقف الياباني كان متخبط بين الانتحار والواقعية.
اليابان كانت منقسمة بين "صقور" يريدون معركة الانتحار الجماعي (Ketsu-Go) لحماية كرامة الإمبراطور، وبين "حمائم" يحاولون التفاوض سرًا عبر ستالين. وقد صُدمت طوكيو عندما أعلن السوفيات الحرب عليها بدلاً من التوسط لها. حينها أدرك اليابانيون أن العالم لا يبالي بكرامتهم، بل بمصالحه الكبرى.
وايران أيضًا تعلن انتصارها على الرغم من الترهّل الذي يصيب نظامها، فهي اقتصاديًا عاجزة عن إطعام شعبها، وتسكتهم بالموت والقتل الجماعي والقهر المتمادي، وتمارس عبر ذلك الانتحار السياسي. وبين رأي يجنح نحو التفاوض وابعاد شبح الحرب.
بالخلاصة، قبل أن تشرق شمس "هيروشيما" القاتلة، كان هناك مسار تفاوضي طويل بدأ منذ عام 1941. واشنطن مارست ضغوطاً اقتصادية قاسية (حظر نفطي) لإجبار طوكيو على الخروج من الصين. اليابان، بذهنية "الساموراي" التي ترفض الانكسار، حاولت التفاوض عبر قنوات سرية ووسطاء (منهم الاتحاد السوفياتي)، لكنها كانت مفاوضات "الطرشان".
كما اليابان عام 1945، وجدت إيران نفسها في "إسلام آباد" 2026 محاصرة بين طموحاتها الإقليمية واختناقها الاقتصادي. الفارق أن اليابان تأخرت في "فصل مسارها" عن حلم الإمبراطورية حتى احترقت بالنووي.
وليست اليابان النموذج الوحيد الذي يمكن المقارنة معه حول المفاوضات وما يتوقع منها. ومن هذه الأمثلة:
- واشنطن وفيتنام، استمرت المفاوضات في باريس لسنوات بينما كانت المدافع تصيح. انتهت بعودة فيتنام كدولة موحدة وانسحاب أميركي. الدرس هنا المستخلص أن التفاوض لا يعني الهزيمة، بل يعني صياغة "خروج كريم" من المستنقع.
- كوبا وفنزويلا، عقود من القطيعة انتهت في عهد أوباما بانفتاح دبلوماسي مع كوبا. أما في فنزويلا، فالمفاوضات في قطر والنرويج أثبتت أن "الخبز" دائماً ما يهزم "الشعارات".
ويمكن الركون الى حالات أخرى، ونزاعات حدود تشبه حالة لبنان والعدو الاسرائيلي، فعلى سبيل المثال النزاع بين الهند وباكستان حول كشمير، عقود من الحروب انتهت إلى "ستاتيكو" نووي واتفاقيات هشة مثل "شيملا". أثبتت هذه الأزمة أن النزاعات الحدودية لا تُحل بالوكالة، بل بالجلوس المباشر، وهو ما طبقه لبنان في ترسيم حدوده واتفاقيات السلام المقترحة.
والنزاع التاريخي بين مصر وإثيوبيا حول النيل، بحيث أن مفاوضات سد النهضة هي نموذج لـ "دبلوماسية العطش". لبنان، بامتلاكه ثروة مائية وبحرية، لا يمكنه ترك أوراقه بيد طهران لتفاوض بها واشنطن في إسلام آباد؛ فمصلحة المزارع في البقاع والصياد في صور تسبق "تخصيب اليورانيوم" في نطنز.
السؤال، أين لبنان من هذا كله؟ إن الحكمة اللبنانية اليوم تكمن في فهم درس "موكوساتسو" الياباني. إن الصمت أو الشعارات العالية في زمن التحولات الكبرى (مثل مفاوضات إسلام آباد 2026) قد تُفهم "رفضاً" يؤدي إلى تدمير ما تبقى من الكيان.
يعرف كل من جوزيف عون ونواف سلام تماما أن لبنان ليس "إمبراطورية يابانية" قادرة على الصمود، كما يظن بعض الأذرع التافهين من أصحاب الانتصارات الوهمية، بل هو "زجاجة عطر" وسط حلبة صراع ثيران. لذا، كان الانتقال من "الصمت القاتل" إلى "التفاوض الشجاع" هو الذي حمى بيروت من مصير يشبه هيروشيما اقتصادية أو عسكرية.
التاريخ يعلمنا أن القوي لا يفاوض ليعطيك حقك، بل ليرسم حدود تنازلك. وفي لبنان، كان القرار هو التنازل "للواقع" من أجل الحفاظ على "الوجود". ولو كان طلال سلمان يكتب اليوم، لقال: "إن بيروت التي كانت تذوب في قضايا الآخرين، قررت أخيراً أن تذوب في حب نفسها، أن تكون هي القضية". ولو كتب غسان تويني لخطّ بيده "لقد انتقلنا من لبنان الساحة إلى لبنان الدولة؛ حيث القرار في بعبدا والسرايا، لا في أروقة فنادق إسلام آباد".
إن بناء الدولة يا بنيّ، يتطلب جرأة في تحطيم الأصنام الفكرية. لقد كان قرار فصل المسار هو "الثورة البيضاء" الحقيقية. إننا لا نعادي أحدًا، ولكننا نرفض أن نكون قرابين على مذبح "توازن القوى" العالمي. إن التفاوض اللبناني اليوم هو فعل إيمان بالبقاء، هو صرخة في وجه العدم، وتأكيد على أن "الأرزة" أصلب من أن تُكسر في مهب الرياح العاتية بين واشنطن وطهران.