مايا الخوري

الفضول والتحفيز محفّزا الأحلام

حين تحلّق عقول الأطفال يولد الإبداع

4 دقائق للقراءة

كلّما كثرت التحدّيات احتجنا إلى جيلٍ يُتقن التفكير خارج الأسوار. جيل هوايته الابتكار والبحث عن حلول بعيدًا من المألوف، معتمدًا على ذكاء مرن وحسّ فنيّ رفيع.

في أسبوع الابتكار والإبداع، نسلّط الضوء على أهمية الإفساح في المجال أمام أبنائنا للتعبير عن ذواتهم بثقة وحريّة وتنمية خيالهم بعيدًا من الإلكترونيات.

بيّنت الدراسات العلمية أن لا موهبة فطرية في دماغ الإنسان، فعندما يولد طفل في منزل موسيقي كموزارت مثلًا، تشكّل الموسيقى جزءًا من يومياته، فينمو في دماغه المركز المسؤول عن حبّ الموسيقى، لكن ذلك غير كافٍ، فموزارت اكتسب عزف البيانو بفضل تعاليم والده. إذًا تمتلك الموهبة جزءًا من الفطرة وفق البيئة التي وُلد فيها الإنسان إنما تحتاج إلى تنمية مهاراتها لئلّا تختفي مع الوقت. من هنا، يرتكز الإبداع على الموهبة والمهارة على حدّ سواء ويحتاج إلى رعاية واهتمام من أجل تثبيته وتنميته.

انطلاقًا من ذلك، أصبح الإبداع جزءًا من المهارات التي تسعى المدارس إلى تعزيزها عند الأطفال لأن ذكاءهم لا يتوقف عند التحليل والمنطق في المواد العلمية فحسب، بل ينسحب إلى الذكاء الكلامي أو الخلّاق أو العاطفي الذي يُعوّل عليه كثيرًا في الوقت الحالي. ولأن لكلّ طفل مهارة معيّنة في مجال محدّد، يجب تنميتها بصورة فردية لا جماعية.

وتتحدّث الأخصائية والمعالجة النفسية ماري أبو هلّون في هذا الإطار عن أهمّية التحفيزات البصرية والسمعية والحسيّة في بيئة المولود لتفعيل خياله، "فإذا وُضع في غرفة مزيّنة بألوان سينشأ على حبّ الألوان، وإذا استمع إلى الموسيقى فسيميل إليها". مشدّدة على أهمية إفساح المجال أمام الطفل للشعور بالملل بعيدًا من الألعاب الإلكترونية التي تحوّله إلى متلقٍ بدلًا من مبتكر، وتوفير ألعاب محفّزة للخيال كالليغو وشخصيات الجنود والحيوانات البلاستيكية مثلًا للتعبير عن أفكاره ومشاعره من خلال اللعب.

من جهة أخرى، يجب تعزيز فكره الحرّ عبر الإرشاد بدلًا من الفرض، وتعليمه كيفية فهم الأمور والمبادرة بدلًا من تلقينه الإجابة، فيصبح قادرًا على التعبير عن رأيه بحرية ومناقشة أفكاره. وتضيف: "لاستكشاف مهمّ كاللعب في حياة الطفل فلندعه يكتشف الطبيعة ويلامس التراب لتنمية أحاسيسه والاحتكاك بالأزهار وتعلّم ألوانها. كما قراءة الكتب لتعلّم الألوان والأشكال والكلمات".

وتدعو الأهل إلى عدم الإفراط في إعطاء التفاصيل لئلا يحول ذلك دون تحفيز الأطفال على التفكير والتحليل والبحث بأنفسهم عن المعلومات والأجوبة. كما تنصح بمرافقتهم إلى الحدائق العامة من أجل مشاركة الآخرين باللعب وتنمية المهارات الاجتماعية والذكاء العاطفي واختبار أحاسيس مختلفة.

طالما أننا في عصر التكنولوجيا والذكاء الاصطناعي، ألا يمكن استغلالهما لدعم الابتكار؟ تجيب: "ثمّة إبداعات إلكترونية كثيرة للتعليم إنما يجب تنمية الخلايا العصبية أولًا ليصبح الطفل متمكّنًا من الليونة اللازمة لتخيّل الأمور والإبداع.

لذا يمكن استخدام التكنولوجيا كأداة داعمة للابتكار، شرط الانتظار حتى يبلغ عامه السابع على الأقلّ، لأن تنمية المهارات الحسية الحركية الدقيقة مهمّة جدًا خصوصًا أننا نلحظ افتقار بعض الأطفال إلى مهارات استخدام اليدين، وكأن أصابعهم جامدة لا ليونة فيها".

وعن دور المناهج التربوية الحالية والمدارس في استخدام التكنولوجيا لتثبيت الإبداع والابتكار، تأسف لعدم مواكبتها كلّها للتطوّر في لبنان. مشيرة إلى أن هناك مدارس قد أدخلت حصص الذكاء الاصطناعي إلى مناهجها، وأساتذة مؤمنين بأن التعليم لا يرتكز على التلقين بل على الاستنباط والتعبير عن الذات والاختبار والتجارب ما يحفّز التلميذ على التفكير بطريقة فردية. كما تسعى مدارس إلى إشراك طلّابها في مباريات دولية في القراءة والتكنولوجيا والتطوير والصناعة الروبوتية، ساعية إلى تحفيزهم على اختراع أشياء معيّنة وحثهم على روح المنافسة بين الصفوف بالرسم والرياضة والمسرح التي هي حصص مكمّلة لإبداع الطفل وجزء من شخصية الإنسان المبنية أساسًا على الحسّ الفني.

وتدعو أبو هلّون إلى تعليم الأولاد الثقة بالنفس وعدم الاستسلام لتحقيق أهدافهم مثلما فعل موسى حين حلم ببناء قصره وحقق ذلك بفضل المثابرة متحدّيًا استهزاء وسخرية الآخرين.

وعمّا إذا كانت الأزمات مكبّلة لأحلام الأطفال ومهاراتهم وإبداعاتهم، تؤكد قدرتهم على التأقلم سريعًا وتخطي مشكلاتهم بسهولة رغم أنهم يتأثرون بالظروف المحيطة بهم. وعلى الرغم من أن الأزمات تسبّب نوعًا من الكبت عند بعضهم إنما يعبّر بعض آخر عن أحاسيسه وأوجاعه بطريقة فنيّة. لذلك نتمنى أن يفسح الأهل المجال أمامهم للتعبير من خلال الرسم والفنون.