يُعدّ التفاوض المباشر يوم الثلثاء الواقع في 14 نيسان 2026 في واشنطن، بين لبنان واسرائيل , جوهر العمل الدبلوماسي الناجح والوحيد المتبقي للدولة اللبنانية – بعد فشل الخيار العسكري المساند لإيران والمفروض على لبنان - لمناقشة كل أسباب العداء والصراع التاريخي بين البلدين ، وإن كان هذا التفاوض لا يُلغي الصراع، فأنه قد يوفّر طريقة منظّمة لإدارته، وتخفيف تداعياته ومخاطره، تمهيدا للتوصل إلى حل نهائي عادل ومستدام.
وهنا اسمح لنفسي كخبير في علوم وفنون المفاوضات والوساطة أن ألفت النظر إلى ما يلي:
عادةً، لكي يبدأ التفاوض، يجب أن تتوفر شروط أساسية، منها الاعتراف المتبادل-سواء كان صريحًا أو ضمنيًا-ووجود حد أدنى من المصالح المشتركة. وبدون هذه الشروط، يصبح الحوار الفعّال غير مرجّح. وهنا يقتضي تحديد المصالح الوطنية اللبنانية أولا ثم تلك المشتركة .
الكل يعلم ان الديمقراطية التوافقية في لبنان تمنع، للأسف، من تحديد المصالح الوطنية الافضل للبنان، وبالتالي تلك المشتركة مع اسرائيل, ويبقى منها الحد الأدنى، التي قد تعيق التوصل إلى حل عادل، دائم ، ومستدام . بل قد تؤدي إلى تسوية مؤقتة أو حل جزئي يكتنفه الغموض البناء لتسهيل قبوله.
بعد توفر الشروط الأساسية لبدء التفاوض، تأتي مرحلة التحضير، وهي مرحلة حاسمة غالبًا ما تكون أكثر أهمية من التفاوض نفسه:
تتضمن مرحلة التحضير اختيار فريق التفاوض وتحديد الاستراتيجية المناسبة. إذ إن تكوين الفريق-من حيث الخبرة والصلاحيات والانسجام-يمكن أن يؤثر بشكل كبير على فعالية التفاوض. وفي حالتنا نحن ، فإن عدم امتناع فريق سياسي أساسي وأقصد هنا المكوّن الشيعي عن المشاركة في هذا الوفد ، يعكس قوة التوافق الوطني حول كامل العملية التفاوضية من جهة ويزيد من عناصر القوة الوطنية والصمود في وجه الضغوط الاسرائيلية من جهة أخرى. وفي حال الإمتناع، على فخامة الرئيس أن يتمسك بتطبيق الدستور في هذا المجال ويقوم بتسمية الوفد المناسب بالإتفاق مع دولة رئيس الحكومة، من اشخاص مخلصين لوطنهم فقط، يتمتعون بعدة صفات، مثل الصبر، وضبط النفس، والقدرة على التحليل، مع مهارات تواصل قوية. كما ينبغي أن يكونوا قادرًين على فهم تاريخ الصراع والاختلافات الثقافية والفكرية والعقائدية وأفضل السبل للتعامل معها.
يحرص المفاوضون الماهرون على تخصيص وقت كبير لجمع المعلومات حول الطرف الآخر، بما في ذلك مصالحه واولوياته ونقاط قوته وضعفه والقيود التي يواجهها. وتجربة لبنان في آخر عمليتيّ تفاوض حول ترسيم الحدود البحرية في تشرين الثاني 2022 ، وما تلاها من إعلان وقف لاطلاق النار في تشرين الاول ، 2024تشكلان أفضل المراجع الحديثة لتلك المعلومات ، على أن لا ننسى ما يمكن ان توفره أيضًا تلك المتعلقة بـاتفاق 17 أيار 1983 واتفاقيّ أوسلو 1993 وغزة2025 مع الفلسطنيين.
كما يشمل التحضير تحديد الأهداف بشكل واضح. يجب على المفاوضين أن يعرفوا ما هي النتائج المقبولة، وما هي التنازلات الممكنة، وأين تكمن حدودهم. فبدون هذا الوضوح، قد يدلون بأقوال أو تفسيرات متناقضة أو ضارة أثناء عملية التفاوض. ومن المهم جدا ، أن نؤكد على أنه بالرغم من أن المفاوضين يعملون ضمن توجيهات حكوماتهم، إلا أنهم ليسوا مجرد ناقلي رسائل، بل يمارسون قدرًا من الحكم والمرونة، خاصة في المواقف المعقدة أو المتغيرة.
بعد مرحلة التحضير، ينتقل التركيز إلى بنية التفاوض نفسها، وبشكل خاص إلى تحديد جدول الأعمال. يحدد جدول الأعمال القضايا التي سيتم مناقشتها وترتيبها، وهو ليس عملية محايدة، بل يتأثر بالقوة والاستراتيجية . ومن خلال التحكم في جدول الاعمال، يمكن لأي طرف أن يعطي الأولوية للقضايا التي تخدم مصالحه، ويؤجل أو يقلل من أهمية القضايا الصعبة. وبهذا يصبح تحديد جدول الأعمال أداة تفاوضية قوية. واعتقد أن أفضل تراتبية للقضايا هو كما يلي :
أ- وقف اطلاق النار.( وهنا تبرز اهمية التزام "حزب الله" ايضا إن من خلال تفضيله المصلحة الوطنية اللبنانية أولا، وهذا غير ظاهر حاليا ، أو من خلال نجاح أميركا في اجبار إيران على التخلي عن أذرعها خلال المفاوضات الجارية بينهما حاليا ).
ب – مواكبة المفاوضات الأميركية- الايرانية في ما يتعلق بمستقبل أذرعها وبخاصة "حزب الله" من اجل تمكين لبنان من تقديم تعهد واقعي وقابل للتنفيذ حول متى يصبح سلاحه الشرعي هو السلاح الأوحد على الأراضي اللبنانية.
ج- بلداتهم عودة النازحين إلى بلداتهم.
د- الانسحاب الاسرائيلي من كافة المراكز المستحدثة منذ تشرين 2023 والعودة إلى الخط الازرق.
ه- ترسيم الحدود البرية.
و-ترتيبات امنية مناسبة لتثبيت الأمن بشكل دائم على جانبي الحدود.
ز- البحث في امكانية التوصل إلى سلام دائم بالتماهي والتنسيق مع الدول العربية.
ح- الحصول على ضمانات وضامنين موثوقين وقادرين على مراقبة تطبيق كل مرحلة واردة أعلاه بالإضافة إلى فرض عقوبات صارمة على المخالفين، وبشكل خاص على الجانب الاسرائيلي المشهور بنكوثه الدائم لكل تعهداته دون حسيب أو رقيب.
عندما تبدأ المفاوضات، يتحوّل التركيز على استخدام التكتيكات والاستراتيجيات. نادرًا ما يكشف الاسرائليون عن مواقفهم بالكامل منذ البداية، بل يتقدمون تدريجيًا، ويختبرون ردود فعل الطرف الآخر ويعدّلون أسلوبهم وفقًا لذلك .
وتشمل التكتيكات الشائعة تأجيل القرارات، واستخدام عامل الوقت للضغط، وتقديم تنازلات جزئية على شكل افخاخ، واستخدام الصمت بشكل استراتيجي. وهذه الأساليب ليست عشوائية، بل تُستخدم بعناية للتأثير على مسار النقاش واتجاهه.
ويُعدّ التوقيت عنصرًا بالغ الأهمية، إذ إن تقديم تنازل في وقت مبكر قد يضعف الموقف، بينما قد يؤدي تقديمه في الوقت المناسب إلى تحقيق تقدم. لذلك، يعتمد نجاح التفاوض مع اسرائيل ليس فقط على ما يُقال، بل على توقيت وكيفية قوله.
ان دور الوسيط الأميركي مهم جدا لتسهيل التواصل، وتخفيف التوتر، ومساعدة لبنان على التقدم نحو اتفاق عادل يخدم مصالحه لأن التفاوض المباشر مع اسرائيل صعبً جدا بسبب الخلل الواضح في موازين القوى العسكرية والاقتصادية والسياسية والإعلامية ، وقدرة إسرائيل على المراوغة والتملص من التزاماتها واستخدام وسائل غير اخلاقية خدمة لمصالحها .بالإضافة إلى ان ما لدى إسرائيل هو أقوى مما لدى لبنان ، اذ يمكنها الاستمرار في تدمير كل لبنان غير القادر على تحمل ذلك , بينما هي قادرة ( بفعل الدعم الأميركي غير المحدود) على تحمل ضربات "حزب الله" وإيران حتى انصياع إيران و"حزب الله" بعد تدمير كافة قدراتهما القتالية والاقتصادية.
إن فشل جولة التفاوض الأميركي الإيراني الاولى فجر الأحد الماضي في باكستان لا يعني أبدا فقدان الامل بالتوصل لاتفاق لاحق بينهما خلال الاسبوعين المتفق عليهما للتفاوض ، لكن قد يغير مسار المفاوضات اللبنانية الاسرائيلية اليوم الثلثاء في واشنطن ويعقّد امكانية التوصل إلى اتفاق حول الاطار المقبول لمواضيع التفاوض أو وقف مؤقت لاطلاق النار. إلّا أن مجرد حصول الجلسة كما هو مقرر، يؤدي حتما إلى كسر تابو taboo) ) القرار السيادي بممارسة الدولة لحقها بالتفاوض مع من تريد لتحقيق مصالحها المشروعة . كما قد يؤدي إلى وضع الية للتواصل المستقبلي إما لتخفيف ما يمكن من معاناة ، أو لتسهيل اعادة التفاوض عندما تسمح الظروف بذلك .