د. جوسلين البستاني

إيران في زمن الحسم

5 دقائق للقراءة
هل يتحرّر الشعب الإيراني من جلّاديه قريبًا؟ (رويترز)

يُعدّ دونالد ترامب شخصية شديدة الاستقطاب، وتثير تصريحاته المُتكرّرة جدلًا واسعًا، لكن سلاحه الحقيقي هو عدم اليقين. فكل تصريح وكل خطوة يخلقان مجموعة من النتائج المحتملة، ما يُجبر الخصوم على حساب ليس فقط ما ستفعله الولايات المتحدة، بل ما قد لا تفعله.

هذه المنهجية ليست جديدة. ففي أواخر ستينات القرن الماضي، رفع الرئيس الأميركي ريتشارد نيكسون عدم اليقين إلى مستوى العقيدة، بينما قام هنري كيسنجر بترجمة هذا التقلّب إلى نفوذ دبلوماسي، مستفيدين من الدور التاريخي لباكستان في عهد يحيى خان في تسهيل القنوات الخلفية للدبلوماسية الأميركية. كما سعى نيكسون إلى إقناع خصومه بأنه قد يتجاوز الحدود التقليدية، فيما حرص كيسنجر على توجيه هذه "اللاعقلانية" الظاهرة ضمن إطار تفاوضي منظم.

اليوم، يظهر الهيكل العام بصورة متقاربة: قيادة يُنظر إليها باعتبارها عالية التقلّب في سلوكها، مقابل فريق تفاوضي أكثر ثباتًا وانضباطًا نسبيًا. غير أن هذا التشابه يبقى محصورًا في البنية الشكلية ولا يمتد إلى مستوى الاستراتيجية، إذ إن اختلاف البيئة السياسية والأمنية يفرض ديناميات مغايرة جذريًا في إدارة التفاوض وتوزيع الأدوار.

في هذا السياق، يقتصر الدور الباكستاني على وظيفة الوسيط التيسيري (facilitative intermediary)، مستفيدًا من شبكة اتصالاته المتوازية مع كل من الولايات المتحدة وإيران، بما يسمح بفتح قنوات اتصال غير مباشرة واستضافة مسارات أولية للمحادثات في إسلام آباد، من دون أن يرتقي إلى دور الضامن للعملية التفاوضية.

لكن قبل 24 ساعة فقط من انطلاق المحادثات، رفعت واشنطن مستوى الجهوزية عبر إعادة تموضع أصول بحرية استراتيجية، في مقدّمها حاملة الطائرات USS Gerald R. Ford وحاملة الطائرات USS Abraham Lincoln، مع تعزيز تسليحها بأنظمة متقدّمة. ولم يكن هذا التحرّك استجابة لفشل دبلوماسي لم يقع بعد، بل إدراجًا مُسبقًا للقوة داخل هندسة التفاوض ذاتها، بما يعكس منطق "التصعيد المُدار" بدل الردّ الارتجالي. في هذا السياق، لم يكن الحشد العسكري هامشًا على العملية السياسية، بل عنصرًا مُكوّنًا لها. وتلخصت الرسالة في معادلة ردع واضحة: ستُجرى الدبلوماسية ضمن مظلّة قوة فورية وقابلة للتصعيد عند الحاجة.

وكما كان متوقعًا، انهارت المحادثات في إسلام آباد، من دون أن يعني ذلك تراجعًا في منطق الإكراه الأميركي، بل انتقاله إلى مستوى أعلى من التصعيد. وفي المقابل، تتمثل ورقة القوة الإيرانية في القدرة على التعطيل، ولا سيما عبر التهديد بتقييد الملاحة في الخليج من خلال إغلاق مضيق هرمز، وهو ممر استراتيجي تمرّ عبره نسبة كبيرة من إمدادات الطاقة العالمية.

غير أن هذه المقاربة تصطدم بقيود بنيوية واضحة، إذ إن هذا التصوّر، الذي شكّل ركيزة للموقف التفاوضي الإيراني على افتراض أن الإكراه الاقتصادي يمكن أن يعوّض اختلال التوازن العسكري، بات أكثر تعقيدًا بفعل الوقائع الميدانية. فحرب الألغام بطبيعتها عشوائية وتولّد كلفة ممتدّة على كافة الأطراف، بما في ذلك الجهة المُستخدمة لها. كما تشير تقديرات عملياتية إلى أن إيران نفسها قد تواجه صعوبات في ضبط أو إدارة الألغام المزروعة، ما يحدّ من قابلية تحويل مضيق هرمز إلى أداة إكراه موثوقة ومستدامة.

إلى جانب ذلك، وفي أعقاب انهيار المفاوضات مباشرة، لوّح ترامب بإمكانية فرض حصار بحري يستهدف خنق الصادرات النفطية الإيرانية، بما يتجاوز وظيفة الإشارة السياسية نحو أداة ضغط اقتصادي مباشر.

حتى في أقصى تجلياتها، عبر الجمع بين القوة العسكرية والخنق الاقتصادي والحصار البحري، لا تضمن استراتيجية الإكراه الأميركية تجاه إيران تحقيق الامتثال من دون تفاعلها مع الديناميات الداخلية للنظام. لأن السلوك الإيراني يتحدّد أساسًا وفق اعتبارات تماسك البنية الحاكمة، ما يجعل حدود التنازل مرتبطة بتأثير الضغط على استقرار منظومة الحكم، وليس الخسائر البشرية أو المادية. وفي هذا السياق، تعكس محدودية الاستجابة قدرة النظام على امتصاص الضغوط، وإعادة توزيع كلفتها داخليًا مع أولوية الاستمرارية، ما يفرض زيادة في مستوى الضغط اللازم لإنتاج تنازل سياسي فعلي.

ويُقارب هذا النمط، من حيث المبدأ لا التطابق، حالة يوغوسلافيا عام 1999، حيث أسهمت الحملة الجوية لحلف "الناتو" ضدّ نظام سلوبودان ميلوشيفيتش في توليد ضغوط تراكمية، عسكرية واقتصادية وسياسية، تفاعلت لاحقًا مع ديناميات داخلية وانقسامات نخبوية، ما انتهى إلى إزاحته من السلطة.

من هذا المنظور، تكتسب الضغوط المستمرّة، ولا سيّما الاقتصادية منها، وظيفة تتجاوز التأثير المباشر على القرار السياسي، لتشمل إعادة تشكيل البيئة الداخلية عبر توليد اختلالات اجتماعية - اقتصادية قد تُنتج موجات احتجاج أكثر تنظيمًا تتجاوز الطابع العفوي. وعلى المدى المتوسط إلى الطويل، قد يُفضي ذلك إلى إعادة ترسيم موازين القوى الداخلية بصورة غير مباشرة، بما يفتح فعليًا احتمال إعادة إنتاج بنية النظام نفسه، تبعًا لتراكم آثار الضغط وحدود قدرة الدولة على امتصاصه.