محمد دهشة

صيدا من صدمة النزوح إلى برامج الدعم

4 دقائق للقراءة

لم تنجح صيدا في استيعاب صدمة النزوح الأولى فقط، رغم الفجوة الكبيرة بين الحاجة والقدرة، بل انتقلت المدينة، بمؤسّساتها الرسميّة والبلدية وجمعياتها الأهلية، إلى مرحلة ثانية لا تقلّ أهمية، تمثلت في احتضان النازحين في المنازل، حيث بدأت محاولات تأمين ما تيسّر من احتياجات الحياة اليومية، في ظلّ ظروف صعبة وإمكانات محدودة، وكأن المدينة تعيد التقاط أنفاسها على وقع أزمة لا تهدأ.

لكن صيدا اليوم تقف عند عتبة مرحلة ثالثة، أعمق أثرًا وأشدّ حساسية. لم يعد التحدّي محصورًا في تأمين سقف أو وجبة، بل بات في مداواة ما لا يُرى: الخوف في وجوه الأطفال، والقلق الذي تسلّل إلى تفاصيل حياتهم الصغيرة. 


تعافي الأطفال

في هذا السياق، أطلقت مؤسسة معروف سعد الثقافية الاجتماعية الخيرية برنامجًا متكاملًا داخل مراكز الإيواء التي تشرف عليها، بالتعاون مع التنظيم الشعبي الناصري، يخصّ الأطفال بأنشطة نفسية وترفيهية تتجاوز مفهوم التسلية، لتلامس جوهر التعافي. 

وتوضح مديرة البرامج في المؤسسة، دلال شحادة، أن هذه المبادرات تشكّل جزءًا من رؤية متكاملة تهدف إلى خلق بيئة حاضنة للأطفال، تراعي احتياجاتهم النفسية والاجتماعية في ظلّ ظروف قاسية.

وتشير شحادة إلى أن الأنشطة تتنوّع بين الترفيه والتثقيف والتفاعل، بما يسهم في تنمية مهارات الأطفال، وتعزيز قدرتهم على التعبير عن مشاعرهم، واستعادة توازنهم الداخلي. وتؤكد أن الاستمرارية في هذه البرامج ليست خيارًا، بل ضرورة، لضمان وصول أثرها إلى أكبر عدد ممكن من الأطفال الذين يستحقون لحظاتٍ من الفرح وسط هذا الركام الثقيل.


دعم نسائي

وبموازاة ذلك، لم تُغفل الجهود النساء. فقد نظم مركز "مدى" المجتمعي جلسات دعم نفسي للأمّهات، أتاحت لهن مساحة نادرة للتفريغ والتعبير، في محاولة لتخفيف الضغوط المتراكمة، وتعزيز قدرتهن على التكيف والصمود. جلسات ضرورية لإعادة التوازن إلى قلب العائلة المنهكة.


تحويل الأزمات إلى فرص

وفي موازاة ترميم الداخل النفسي، برز مسار آخر لا يقلّ أهمية: تمكين النازحين وتحويل محنتهم إلى فرصة. من هذا المنطلق، أطلق مركز التدريب المهني والتقني للشباب، التابع لمؤسسة الحريري للتنمية البشرية المستدامة وبالتعاون مع "أكاديمية سيسكو للمهارات الرقمية والذكاء الاصطناعي"، سلسلة دورات تدريبية داخل مراكز الإيواء، للشباب والفتيات، لتمكينهم من اكتساب مهارات مهنية قابلة للتحوّل إلى مصادر دخل.

هذه الدورات، التي تمتدّ لثلاثة أسابيع، لم تكن مجرّد تدريب تقني، بل محاولة لإعادة تعريف العلاقة مع الواقع؛ من حالة انتظار إلى فعلٍ منتج. تنوّعت بين الحرف اليدوية كالكروشيه وصبّ الشمع والشوكولا، إلى مهارات عملية كالحلاقة ورعاية المسنين، وصولًا إلى مجالات حديثة كالتسويق الرقمي المدعوم بالذكاء الاصطناعيّ. ومع كل مهارة مكتسبة، كان يُعاد ترميم جزء من الثقة المفقودة، ويُفتح باب صغير نحو الاستقلال.

وتؤكّد مديرة ثانوية الدكتور نزيه البزري الرسمية، سهى الحسن، أن هذه الدورات، التي حملت عنوان "تحويل الأزمات إلى فرص"، منحت المتدرّبين أدوات حقيقية للانخراط في سوق العمل، ولو بحدّه الأدنى، وأسهمت في خلق حالة من الألفة والاستقرار داخل مراكز الإيواء. وتضيف أن نتائج التدريب لم تبقَ نظرية، بل تجلّت في أعمال مهنية متقنة، عكست جدية المشاركين ورغبتهم في تجاوز واقعهم.

هكذا، تمضي صيدا بين ثلاث محطات متداخلة: صدمة لم تُستوعب بالكامل، واحتياجات بالكاد أُمّنت، ومساعٍ حثيثة لاحتواء ما تبقى من آثار النزوح. مدينة لا تملك ترف الحلول الكاملة، لكنها ترفض الاستسلام، فتواصل محاولاتها، موازنةً بين قسوة الواقع وإلحاح الإنسانية… حيث يصبح دعم الأطفال ترميمًا للمستقبل، وتمكين النازحين بداية طريقٍ نحو حياةٍ تُستعاد، لا تُؤجَّل.