رمال جوني

الزراعة تحت النار: رعاة الجنوب يواجهون الحرب بالخسارة والصمود

4 دقائق للقراءة

لم تترك الحرب قطاعًا إلا وأصابته بالدمار، ولعلّ القطاع الزراعي كان الأكثر تضررًا. ففي الوقت الذي كان يُفترض أن يخرج فيه المزارعون إلى حقولهم لبدء مواسمهم الصيفية، غاب هذا المشهد عن قرى الجنوب، حيث خلت الحقول من روّادها. وحدهم الرعاة ما زالوا حاضرين، تتقدّمهم قطعان الماشية والأبقار، يرافقهم كلب يحرس القطيع، متحدّين مخاطر الغارات، ومواجهين الخسائر بصمت.

لم يتركوا الأرض كي لا يُحاصر مصدر رزقهم الوحيد، فالماشية بالنسبة لهؤلاء الرعاة هي "الروح".

في أحد حقول بلدة حاروف، يمضي الراعي أحمد حريبي في طريقه، يتبعه قطيعه من الأبقار. لم ينزح من بلدته، رغم إصابته بجروح نتيجة إحدى الغارات القريبة. يحمل عصاه التي يتوكأ عليها، ويتنقل في الحقول بحثًا عن المراعي. خسائره كبيرة، يقول: "كل يوم أسجّل خسارة بين 300 و500 دولار، وغيري تصل خسارته إلى 800 دولار يوميًا. الحليب نوزعه مجانًا لأن لا أسواق لتصريفه، وكل المعامل مقفلة".

ما يخفف عنه قليلًا، بحسب قوله، أن المراعي متوافرة هذا العام، على عكس الحرب الماضية، إلا أن المخاطر المحدقة تمنعهم من الخروج يوميًا إلى الحقول. ويضيف: "أكثر من مرة حصلت  غارات قرب قطيعي، خسرت أكثر من بقرة، وأُصيبت أخرى. هذه هي الخسارة الأكبر، فنحن ننتظر هذا الموسم لتحقيق أرباح، سواء من بيع العجول أو من الحليب واللبن، وكل ذلك ضاع".

يواجه رعاة الماشية في الجنوب مخاطر الغارات يوميًا، ما يضطرهم إلى الرعي في البراري القريبة فقط، الأمر الذي يحدّ من تأمين الغذاء للماشية، ويجبرهم على شراء الأعلاف التي ارتفعت أسعارها بنسبة 10 % منذ بداية الحرب. لكن الأزمة لا تتوقف عند السعر، كما يقول حريبي: "الطرق الخطرة تجعل وصول الأعلاف صعبًا، وليس كل سائق بيك أب يقبل بنقلها، كما أن إدخالها يحتاج إلى موافقات وإجراءات معقدة".

وقبل أيام، استهدفت غارة إسرائيلية معملًا للأعلاف في حاروف ودمّرته، وكان يؤمّن جزءًا من احتياجات الرعاة الصامدين. يقول حريبي: "هذا يزيد الوضع تعقيدًا. اليوم نعتمد على بعض الأعشاب، لكن ماذا لو توسّع التصعيد؟ كيف نوفر الطعام للماشية؟".

تتفاقم معاناة الرعاة مع تسجيل خسائر كبيرة في الأغنام والأبقار، تضاف إليها عودة تفشي الحمى القلاعية، بحسب حريبي، الذي يشير إلى أن أحد أصحاب المزارع في زبدين خسر أكثر من 50 رأس ماشية، رغم تلقيحها.

وبات معظم الرعاة يوزعون الحليب واللبن على العائلات الصامدة في القرى بدل رميه، بسبب صعوبة نقله إلى صيدا، ما يرفع حجم خسائرهم. يقول حريبي: "موسم الحليب واللبن هو العمود الفقري الاقتصادي للرعاة، إلى جانب موسم ولادة الأبقار. اليوم الخسارة مضاعفة، ولا أحد يسأل عن المزارع".

يعالج حريبي أبقاره بنفسه، ويضطر إلى التوجه إلى صيدا لتأمين الأدوية التي ارتفعت أسعارها، شأنها شأن معظم السلع. ويقول بحسرة: "لم يسأل وزير الزراعة عن المزارع أو الراعي، ولا حتى بكلمة اطمئنان. نحن لا نطلب شيئًا، فقط أن نشعر أن هناك من يهتم".

خسر حريبي أكثر من بقرة بسبب الغارات، وآخرها نفوق بقرة نتيجة جدار الصوت، ما أدى إلى موت عجلها.

معاناة الرعاة والمزارعين كبيرة، الحرب تقضي على كل شيء. فالراعي هو في الوقت نفسه مزارع، وكان من المفترض أن تبدأ في هذا التوقيت زراعة الحبوب والخضار. ويقول حريبي: "إذا لم نبدأ الزراعة خلال خمسة أيام، سيضيع الموسم، وتُقدّر خسارتي عندها بآلاف الدولارات، كما هي حال غيري من المزارعين".

ما يخشاه حريبي أن تطول الحرب وتنقطع الإمدادات، مؤكدًا: "لن أغادر هذه الأرض، سأبقى مع قطيعي".

في كل حرب، يتلقى القطاع الزراعي ضربة قاسية، وتكون خسائره كارثية على المزارعين. وضياع المواسم، وفق حريبي، لا يهدد الأفراد فقط، بل الأمن الغذائي الجنوبي، خاصة في ظل الارتفاع الجنوني للأسعار. ويختم: "الزراعة تشكل العصب الرئيسي للأهالي، ونأمل أن تضع الحرب أوزارها قريبًا، كي لا تتفاقم فاتورة الخسائر أكثر".