مع فشل المفاوضات الأميركية - الإيرانية الأخيرة الآيلة إلى التوصل لاتفاق ينهي الحرب، وإثر دخول الحصار البحري الأميركي على إيران حيّز التنفيذ، يترقب العالم مصير الهدنة الهشة التي علّقت الأعمال العسكرية موَقتًا إفساحًا في المجال للتفاوض، بالإضافة إلى فرص نجاح خطوة الحصار في تليين مواقف الملالي المتصلّبة، بينما أثارت الخطوة مخاوف واسعة النطاق من تأثيرها السلبي على الاقتصاد العالمي في حال طال أمدها. واعتبرت القوات المسلّحة الإيرانية أن الحصار الأميركي «غير شرعي» ويرقى إلى «القرصنة»، محذرة من أن أيًا من الموانئ الخليجية لن يكون في مأمن حال تهديد سلامة تلك الإيرانية. وتوعّد «الحرس الثوري» بأن أي سفن عسكرية تقترب من المضيق ستُعامل على أنها تنتهك الهدنة.
ويأتي ذلك بعدما توعّد الرئيس ترامب بأنه «إذا اقترب أي من الزوارق (الإيرانية) من حصارنا، فسيتم القضاء عليها فورًا، باستخدام نظام القتل عينه الذي نستخدمه ضدّ تجار المخدّرات على القوارب في البحر». وكشف أن إدارته تلقت اتصالًا «من الطرف الآخر» صباح أمس، حاسمًا أنهم «يريدون بشدّة إبرام اتفاق». وأكد أن نقطة الخلاف في المحادثات «كانت تتعلّق بالنووي»، جازمًا بأن «إيران لن تمتلك سلاحًا نوويًا». وذكر أنه «اتفقنا على أمور كثيرة، لكنهم لم يوافقوا على ذلك، وأعتقد أنهم سيوافقون عليه... وإذا لم يوافقوا، فلا اتفاق»، فيما أفاد موقع «أكسيوس» بأن الوسطاء الباكستانيين والمصريين والأتراك سيواصلون في الأيام المقبلة محاولاتهم لردم الفجوات المتبقية والتوصل إلى اتفاق ينهي الحرب.
وأشار ترامب إلى أولوية أخرى لبلاده هي استخراج اليورانيوم المخصّب، متعهّدًا بأنه «سنستعيد الغبار، إما أن نستعيده منهم، وإما سنأخذه». ورفض التعليق عمّا سيحدث إذا لم يجر التوصل إلى اتفاق بحلول نهاية الهدنة، مكتفيًا بتأكيد أن «الأمر لن يكون سارًا بالنسبة إليهم»، في وقت أكد فيه نتنياهو دعم إسرائيل قرار ترامب فرض حصار على إيران، مشيرًا إلى أن حكومته تنسّق بشكل كامل مع واشنطن في هذا الشأن. وكشف أن نائب الرئيس الأميركي أطلعه على محادثات إسلام آباد، وأوضح له أن «القضية الرئيسية هي إزالة كل المواد (النووية) المخصبة (الإيرانية) وضمان عدم وجود أي تخصيب بعد الآن».
وقبل ساعات من دخول الحصار البحري الأميركي على السفن القادمة من الموانئ الإيرانية والمبحرة إليها حيّز التنفيذ، غادرت سفينتان مرتبطتان بإيران الخليج العربي عبر مضيق هرمز، وفقًا لشركة «كبلير» العالمية لتتبّع السفن، التي أوضحت أنه كان لا يزال هناك «قدر ضئيل من التجارة يشق طريقه» قبل دخول الحصار حيّز التنفيذ، لكنها أشارت إلى أن شركات الشحن الكبرى غير المرتبطة بإيران كانت شهيتها للمخاطرة لعبور المضيق «متدنية إلى حد لا يُصدّق». لكن ترامب تحدّث عن عبور 34 سفينة هرمز الأحد، مشيرًا إلى أن ذلك أعلى عدد سفن يعبر المضيق منذ بدء «هذا الإغلاق الأحمق».
واستدارت ناقلتا نفط على الأقل، إحداها كانت متجهة من الإمارات إلى الصين، بعد اقترابهما من مضيق هرمز إثر بدء الحصار الأميركي. واعتبرت المنظمة البحرية الدولية أن الحصار البحري على مضيق دولي ينتهك القانون الدولي. وكشفت وكالة الطاقة الدولية أن أكثر من 80 منشأة للنفط والغاز، بما في ذلك منشآت الإنتاج ومحطات النقل والمصافي تضرّرت بسبب الحرب، مبدية استعدادها لسحب آخر من المخزونات الاستراتيجية للنفط إذا لزم الأمر.
أوروبيًا، أكدت بريطانيا أنها لا تدعم الحصار، حاسمة أنه «كنا واضحين بأننا لن نسمح أن ننجرّ لهذه الحرب»، بينما أفادت باريس ولندن بأنهما تعدّان لمحادثات هذا الأسبوع لبحث إنشاء بعثة متعدّدة الجنسيات للمساعدة في إعادة حركة الملاحة إلى هرمز، مع تأكيد أنها ستكون «سلمية». وحذرت برلين من أن اقتصادها سيعاني لمدّة طويلة من تداعيات أزمة الطاقة التي تسبّبت بها الحرب، فيما اعتبرت مدريد أن الحصار الأميركي «لا معنى له».
في الأثناء، جدّدت روسيا استعدادها لتسلّم اليورانيوم الإيراني المخصّب، مؤكدة أن «العرض ما زال قائمًا، لكن لم يجر بعد التحرّك على أساسه». واعتبرت أن فرض حصار على هرمز سيواصل «على الأرجح التأثير بشكل سلبي على الأسواق الدولية»، فيما دعت الصين إلى عدم تعطيل حركة الملاحة في المضيق، نافية التقارير التي أفادت بأنها زوّدت إيران بالأسلحة أو كانت تنوي القيام بذلك. ويجري وزير الخارجية الروسي سيرغي لافروف زيارة إلى الصين اليوم، حيث يبحث مسائل عدّة تتقدمها الحربان في أوكرانيا والشرق الأوسط.
خليجيًا، اجتمع الملك البحريني حمد بن عيسى مع الرئيس الإماراتي محمد بن زايد في البحرين، حيث أكد الملك أن الإمارات سطرت عبر مختلف المراحل، حضورها كشريك أصيل لا يساوم على وحدة الصف، مشيدًا بالمواقف الثابتة لبن زايد التي تعكس وضوح الرؤية ورسوخ النهج. وأعرب عن بالغ تقديره للدعم والإسناد النوعي الذي قدّمته الإمارات، والذي أسهم في تعزيز قدرة المملكة على التعامل مع التحديات بكفاءة واقتدار، حسب وكالة الأنباء البحرينية. كما التقى الملك البحريني قائد القيادة المركزية الأميركية براد كوبر. وأشار ولي العهد رئيس مجلس الوزراء البحريني الأمير سلمان بن حمد خلال لقائه كوبر، إلى ما تشهده العلاقات البحرينية - الأميركية من تقدّم وتطوّر مستمرّين على مختلف المستويات، مؤكدًا الحرص المتبادل على مواصلة تعزيز هذه الشراكات على مختلف الصعد، خصوصًا العسكرية والدفاعية منها. وشدد على متانة العلاقة مع واشنطن التي كان لها دور تاريخي في جهود التصدي للاعتداءات الإيرانية الآثمة، حسب وكالة الأنباء البحرينية.
واستدعت البحرين القائم بالأعمال في سفارة العراق لديها لإبلاغه بإدانتها «استمرار الاعتداءات الآثمة بالطائرات المسيّرة الصادرة من الأراضي العراقية تجاه المملكة وعدد من دول مجلس التعاون». وقدّمت مذكرة احتجاج رسمية، حاضة العراق على التعامل مع هذه التهديدات بشكل عاجل ومسؤول، كما أكدت الاحتفاظ بحقها في اتخاذ التدابير والإجراءات اللازمة لحماية أمنها واستقرارها. بالتزامن، تلقى وزير الخارجية السعودي اتصالًا من نظيره الإيراني، جرى خلاله بحث المستجدات إثر محادثات إسلام آباد، وتبادل وجهات النظر حيالها، حسب وكالة «واس». وتلقى رئيس الوزراء وزير الخارجية القطري اتصالًا من نظيره الإيراني، شدد خلاله على ضرورة تجاوب كافة الأطراف مع جهود الوساطة الجارية، بما يفتح المجال أمام معالجة جذور الأزمة عبر الوسائل السلمية والحوار. كما أكد ضرورة فتح الممرات البحرية وضمان حرّية الملاحة، وعدم استخدامها كورقة ضغط أو مساومة، حسب وكالة «قنا».
وبعدما وجّه ترامب الأحد انتقادات لاذعة للبابا لاوون الرابع عشر، متهمًا إياه بأنه «ضعيف في ما يتعلّق بالجريمة، وسيّئ جدًا في السياسة الخارجية»، و «يتودّد لدولة تسعى إلى امتلاك سلاح نووي»، و «يجامل» اليسار المتطرّف، ردّ البابا، الذي استهلّ جولة أفريقية تمتد 11 يومًا من الجزائر أمس، على تلك تصريحات بتأكيده أنه «لا يخشى» إدارة ترامب، مشددًا على أنه «لست سياسيًّا، وليس في نيّتي الدخول في جدال معه (ترامب)، الرسالة هي دائمًا نفسها: نشر السلام». لاحقًا، رفض ترامب الاعتذار عن انتقاده البابا، موضحًا أن الأخير «قال أشياء خاطئة»، بينما اعتبرت روما أن تصريحات ترامب «غير مقبولة».
أما على الصعيد الداخلي الإيراني، فأعدم النظام 1639 شخصًا على الأقلّ العام الماضي، في أعلى حصيلة للإعدامات في البلاد منذ 1989، حسب تقرير سنوي مشترك لمنظمة حقوق الإنسان الإيرانية ومنظمة «معًا ضدّ عقوبة الإعدام». ويعكس هذا المجموع ارتفاعًا بنسبة 68 في المئة مقارنة بالعام 2024. وأشار التقرير إلى استهداف يطول خصوصًا الكرد والبلوش، كما أُنزل حكم الإعدام بـ 48 امرأة على الأقلّ، وهي الحصيلة الأكبر من نوعها منذ أكثر من 20 عامًا.