ايلي الياس

13 نيسان ليس البداية: تفكيك سردية الحرب في لبنان

3 دقائق للقراءة

ليس من الدقة التاريخية اختزال مسار الحرب في لبنان بتاريخ 13 نيسان 1975، وكأنه لحظة التأسيس الوحيدة لانفجار شامل. هذا التأريخ الذي ترسّخ في الوعي العام لا يعكس حقيقة التطورات، بل يختصرها بطريقة تُخفي مسارًا طويلًا من التوترات والتدهور الأمني والسياسي. فالحروب لا تبدأ بيوم واحد، بل نتيجة تراكمات تمتد لسنوات.

في لبنان، تعود جذور الانفجار إلى أواخر الستينات، وتحديدًا منذ عام 1968، حين بدأت عملية تسليح الفلسطينيين في مخيمات اللاجئين بوتيرة متسارعة. في تلك المرحلة، كان عدد الفلسطينيين في لبنان لا يقل عن 235 ألفًا، ما أتاح بيئة خصبة للتجنيد وتوسّع العمل الفدائي. وقد اعتُبر لبنان قاعدة انطلاق لعمليات عسكرية ضد إسرائيل، ما أدخله تدريجيًا في صراع إقليمي مفتوح.

هذه العمليات وفّرت لإسرائيل ذرائع لشن اعتداءات مباشرة على الأراضي اللبنانية. من أبرزها عملية 28 كانون الأول 1968، حين دمّرت وحدة كوماندوس إسرائيلية 13 طائرة مدنية في مطار بيروت الدولي، ردًا على عملية نفّذتها “الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين” في اليونان. هذه الحادثة لم تكن تفصيلاً، بل مؤشرًا واضحًا على تحوّل لبنان إلى ساحة مواجهة خارجية.

في موازاة ذلك، تصاعد التوتر الداخلي. اندلعت اشتباكات بين الجيش اللبناني وفصائل فلسطينية، خصوصًا في الجنوب، حيث تسلّل مقاتلون من سوريا إلى منطقة العرقوب بدعم منظم بالأسلحة والذخائر. وتشير تقارير أمنية إلى مشاركة عناصر سورية في بعض العمليات، منها الهجوم على مركز الجمارك في المصنع. ومع تكرار خرق الاتفاقات، تآكلت قدرة الدولة على ضبط الوضع.

لم تبقِ هذه الاشتباكات محصورة في الأطراف، بل امتدت إلى المدن. فقد سعى الفدائيون إلى نقل المواجهات إلى الداخل، مستفيدين من التعاطف الشعبي والخطاب التعبوي العربي في تلك المرحلة. وساهمت قوى سياسية لبنانية في تعميق الانقسام، سواء عبر الدعم السياسي أو من خلال تسهيل نقل السلاح، ما زاد من هشاشة مؤسسات الدولة.

وتجلّى هذا التدهور بوضوح في أحداث عام 1969. تظاهرة 23 نيسان في بيروت، التي نظّمتها “لجنة نصرة فتح” وشاركت فيها قوى حزبية متعددة، تحوّلت إلى مواجهات مع القوى الأمنية وسقط خلالها قتلى وجرحى، وامتدت الاضطرابات إلى عدة مناطق. على إثرها، استقال رئيس الحكومة رشيد كرامي، ودخلت البلاد في أزمة سياسية طويلة. في تلك الفترة، قُدّر عدد الفدائيين الناشطين بنحو 4000، معظمهم من “فتح” و”الصاعقة” المدعومة من النظام السوري.

في ضوء هذه الوقائع، يظهر بوضوح أن ما حصل في 13 نيسان 1975 لم يكن بداية، بل نتيجة لمسار من تفكك السيادة، وتداخل السلاح غير الشرعي، والانقسام الداخلي، والتدخلات الخارجية. من هنا، يبدو توصيف الحرب بـ"الأهلية" توصيفًا قاصرًا، لأنه يتجاهل هذه العوامل ويختزل الصراع في بعد داخلي صرف.

الأخطر أن اعتماد هذا التاريخ كنقطة انطلاق ليس محايدًا، إذ يحمل ضمنيًا اتهامًا لفريق لبناني محدد، ويُكرّس سردية انتقائية تخدم توازنات سياسية لاحقة. هذا النهج في قراءة التاريخ يعمّق الانقسام بدل معالجته.

بعد خمسة عقود، لا يزال لبنان أسير روايات متناقضة تقوم على الإنكار بدل المصارحة. المطلوب اليوم ليس إعادة إنتاج هذه السرديات، بل مراجعة نقدية قائمة على الوقائع. فبناء الدولة يستدعي الاعتراف بأن الحرب لم تبدأ في 1975، ولم تكن مجرد صراع داخلي، بل نتيجة مسار معقّد من تقويض السيادة وتداخل العوامل الداخلية والخارجية.

الخروج من هذه الحلقة يبدأ بتصحيح الذاكرة، واعتماد قراءة تاريخية دقيقة، تُشكّل أساسًا لمصالحة حقيقية وبناء دولة قائمة على السيادة والقرار الوطني المستقل.