تعرّض لبنان وما زال لاعتداء إسرائيلي، حَصَدَ الآلاف من الأبرياء والجرحى نتيجة قرار متهوّر اتخذه "حزب الله"، ورّط لبنان وألحق به أفدح الأضرار وأشدّ الخسائر.
وأمام هذا الواقع، كان لا بُدّ من موقفٍ مسؤول، وكان قرار رئيس الدولة بالتفاوض المُباشر مع إسرائيل لِوقف النار تمهيدًا لمفاوضات سلام تنقل لبنان من ضفة الحرب إلى ضفة الأمان والسلام.
وعوض أن يُقدَّر رئيس الدولة على قراره الجريء، تعرّض لِحملةٍ مُمنهجة، ولتخوينٍ ما بعده تخوين، كلّ ذلك لأنه انتزع ورقة لبنان من النظام الإيراني، وجعلها ورقة مُستقلّة تخص اللبنانيين دون سواهم.
وبِقصد إجهاض مسعى رئيس الجمهورية تذرّع هذا الفريق والذي ورّط لبنان بالمآسي، بأن مسعى رئيس الدولة يُخالف الدستور ويُناقض منطوقه.
علمًا، أنه وبالعودة إلى الدستور لا نلحظ أي مادّة دستورية تتكلّم عن إسرائيل على الإطلاق. حتى أن حدود لبنان الجنوبية حدّدتها المادة الأولى من الدستور أنها الحدود الإدارية لقضاءي صور ومرجعيون. بالتالي عن أي مواد دستورية نتكلّم؟
مع التأكيد أنه وبحال أردنا التمحيص في الدستور يتبيّن لنا جليًّا، أنه نصّ صراحةً في هذا السياق على ثلاثة مُرتكزات. الأوّل أن الحكومة هي مَن تضع السياسة العامة للدولة سندًا للمادة 65 من الدستور. بالتالي هي مَن تُقرّر الحرب والسِلم. واتخاذها قرار إجراء المفاوضات يعود لها. هذا مِن جهة، ومِن جهةٍ ثانية إن رئيس الجمهورية وسندًا للمادة 49 من الدستور هو رئيس الدولة ورمز وحدة الوطن والساهر على احترام الدستور والمؤتمن على استقلال لبنان ووحدته وسلامة أراضيه. بالتالي، لا يُزايد أحد عليه، فهو مَن أقسم اليمين على المحافظة على تُراب الوطن ووحدته وسلامته. تحديدًا لا يجوز لِمَن ورّط لبنان في هذه النكسات، لا يجوز لِمَن بقراراته الرعناء أجاز للعدو الإسرائيلي بالتوغُل في لبنان واستيلائه على أكثر مِن خمسماية كيلو متر من مساحته، فِداءً لقضيّة لا تعني لبنان ولا اللبنانيين، لا يجوز له المُزايدة على رئيس الدولة.
فكفى مُزايدة وتخوينًا، فرئيس الدولة هو الأمثل لحماية لبنان وترابه.
أمّا المرتكز الثالث فيبقى أن الدستور أَوْلى صلاحية التفاوض لرئيس الجمهورية (المادة/52/ منه) فعَن أي مواد دستورية يتكلّم المتكلّمون؟
أمّا القَول أن رئيس الدولة والمؤتمن بموجب قَسَمه حين انتخابه على احترام القوانين ومنها قانون العقوبات اللبناني الذي يُجرّم التعامل مع إسرائيل. وقانون مُقاطعة إسرائيل تاريخ 23/6/1955. لا يستقيم، لأن قانون العقوبات اللبناني وقانون مُقاطعة إسرائيل ينطبق على الأفراد والمؤسسات والشركات والأشخاص وليس على الدولة التي تملك حرّية قرارها، ورئيس الدولة المؤتمن على استقلال لبنان ووحدته وسلامة أراضيه، فضلاً عن كَون هذه القوانين تتعلّق بالأعمال التجارية والمتبادلة وليس في قضايا سيادية حيث هي أعمال حكومية بامتياز.
ونسأل، حين وُقعَت اتفاقية الهدنة عام 1949 ألَم يكن الأمر يستدعي تعديلاً للدستور؟ وحين صدّق المجلس النيابي على اتفاق 17/5/1983 (قبل إلغائه) ألَم يكُن يستدعي بدوره تعديلاً دستوريًا؟ وحين تمّ الاتفاق مع إسرائيل على تفاهم 1996 ولو باتصالات غير مباشرة ألَم يكُن الأمر يستدعي تعديلًا دستوريًا؟ والقرار 1701؟ وترسيم الحدود البحرية 2022؟ واتفاق تشرين الثاني 2024؟ فهل كُلّ هذه التفاهُمات لم تكُن تستدعي تعديلًا دستوريًا، واليوم الأمر يستوجب ذلك؟
فكفى تخوينًا ومُزايدةً. فرئيس الدولة هو المؤتمن على سلامة لبنان ووحدته واسترداد أرضه المُغتصبة. وعوض أن نشد على يده، نختلق الذرائع لعرقلته. فكفى استقواءً ومُكابرةً، فالشعب اللبناني يشد على يد رئيس الدولة، فله القرار وهو مَن يُحدّد المَسار.