المحامي محمد آصف ناصر

المفاوضات وألغام الكلام

13 دقيقة للقراءة

"قد قررت سورية منذ فجر حركة التصحيح أن الانسان هو منطلق الحياة وهو هدفها". هكذا بدأ الرئيس حافظ الأسد خطابه أمام مجلس الشعب في 12 آذار 1992، وتابع في خطابه إلى أن وصل إلى الحديث عن مؤتمر مدريد للسلام فقال: "إننا لا نطلب السلام عن ضعف، بل نطلبه من موقع الحرص على تجنيب منطقتنا ويلات الحروب التي لم تخلف إلا الدمار والخراب."

هذا كان خطاب الرجل الذي أسس البرنامج الصاروخي السوري، والذي قاتل وحيدًا إسرائيل في العام 1982 وأوقف تقدمها في معركة السلطان يعقوب في 10 حزيران 1982 التاريخ الذي صادف فيه لاحقا تاريخ وفاته. كان الأسد يتكئ على ترسانة صاروخية، وجيش قوي، ومعادلات دولية، الرجل القوي الذي جعل لسوريا دورا يتعدى حدودها الجغرافية وأتقن لعبة الإستراتيجية حتى تناظر مع عبقرية كيسنجر. هذا الرجل توصل أن استحصل على "وديعة رابين"، التي عطلها التطرف اليهودي على يد طالب الحقوق يغال عمير. وكما قتل التطرف اليهودي رابين، قتل التطرف الإسلامي الفكر القومي وأتبع المشرق للاسلام السياسي الأعجمي التركي/الإيراني.

لم يكن الأسد جامدا، فحتى بعد اغتيال رابين، وبعد اتفاقية أوسلو التي صافح فيها أبو عمار اسحق رابين، واتفاقية وادي عربة التي صافح فيها رابين الملك حسين، وبعد انفكاك دول الطوق بقي يفاوض مُكرِّ مفرٍّ مقبلٍ مدبرٍ معًا وفاوض عبر وزير خارجيته فاروق الشرع:

1- في جولة واشنطن في 15 – 16 كانون الأول 1999، والتي كانت جولة افتتاحية لكسر الجليد حضرها عن إسرائيل رئيس الحكومة آنذاك إيهودا باراك.

2- في مؤتمر Sheperdstown (مدينة الراعي)، في 10 كانون الثاني 2000، كذلك حضر وفدا رسميا عن سوريا برئاسة وزير الخارجية فاروق الشرع.

اتبعت هاتان الجولتان بقمة جنيف بين الرئيسين كلينتون والأسد في 26 آذار 2000 والتي لم تفضِ إلى خلاصة نتيجة تمسك الأسد بوديعة رابين، وبقيت سوريا وحيدة من بين دول الطوق، يسندها موقف المملكة العربية السعودية التي جعلت من موقف العالمين العربي والإسلامي سندًا وعضدًا لحافظ الأسد في مقاومته. غير أن وفاة الأسد في 10 حزيران 2000 والعرض العسكري لحزب الله في القرداحة أعلن بداية عصر جديد، عصر تباعدت فيه سوريا عن عمقها العربي، ومع سعي الملك الراحل عبد الله على حماية الجذوة العربية في قمة بيروت في العام 2002 حيث طرحت معادلة الأرض مقابل السلام، وتدخلت السعودية بثقلها الدولي وموقعها الاستراتيجي لتحفيز عملية السلام، لكن آثار 11 أيلول 2001 كانت أشد وقعا وتأثيرا في السياسة العالمية، فبدأت تتراكم الأحداث ونفذت المرونة في دمشق واصبح الأسد الابن أكثر تشددا وتعنتًا: في 20 تموز 2010 عقدت القمة الثلاثية في بيروت برعاية الملك عبد الله، وجاء الأسد لأول مرة بعد خروج الجيش السوري (وآخر مرة) إلى بيروت، وغادر معه دولة الرئيس سعد الحريري إلى دمشق كل ذلك لتفادي السنين العجاف: مبادرة ردت عليها أذرع إيران المعروفة آنذاك بـــ 8 آذار بعد اشهر قليلة وتحديدا في 12 كانون الثاني 2011 بإسقاط حكومة الرئيس سعد الحريري فيما كان هذا الأخير في البيت الأبيض يقابل الرئيس الاميركي باراك حسين أوباما في إهانة غير مسبوقة للسيادة اللبنانية وإضعافا للموقف الدولي اللبناني، ما أضر العلاقات السورية السعودية وأنهى "السين سين"، وبعد شهرين بدأت الثورة السورية التي انتهت بخراب سوريا وخروج آخر دول الطوق من الصراع العربي الإسرائيلي مع احتراق الترسانة العسكرية ومعامل الدفاع السورية.

مصطلح "دول الطوق" يعود إلى ما بعد نكسة حزيران 1967 والقرار 242 الذي انفجر فيه "لغم الكلام" بالمفاوضين العرب، فبين "الأراضي العربية المحتلة" و "أراضٍ عربية محتلة" ضاعت قوة القرار 242 وزال مفعوله تماما كما تم سابقًا في مراسلات الحسين/مكماهون في بداية القرن بين عبارتين "ملكًا عربيًا" و"ملك العرب". كُسِر الطوق مع اتفاقيات الفلسطينيين المتعددة والمتتالية التي بدأت مع أسلو 1 عام 1993 التي كانت اتفاقية إطار اتبعت بــــ:

1. اتفاقية غزة - أريحا (اتفاقية القاهرة) - أيار 1994:

o وقعت قبل أشهر قليلة من "وادي عربة".

o كانت هي البداية الفعلية لتشكيل السلطة الوطنية الفلسطينية وانسحاب القوات الإسرائيلية من أجزاء في غزة ومنطقة أريحا.

2. اتفاقية أوسلو 2 (اتفاقية طابا) - أيلول 1995:

o وُقِّعت بعد "وادي عربة" بحوالي عام.

o هذه الاتفاقية هي التي قسمت الضفة الغربية إلى مناطق (أ، ب، ج)، وهنا يبرز "لغم الكلام" بوضوح، حيث تم استخدام تصنيفات أمنية وإدارية معقدة حولت السيادة الفلسطينية إلى "جزر" مقطعة الأوصال، بينما بقيت السيطرة الفعلية (خاصة في المنطقة ج) بيد الاحتلال.

3. بروتوكول الخليل – كانون الثاني 1997:

o تم فيه تقسيم مدينة الخليل إلى منطقتين(H1 و H2)

4. اتفاقية واي ريفر – تشرين الأول 1998:

o هدفت إلى استكمال مراحل الانسحاب الإسرائيلي، لكنها تعثرت في التنفيذ.

5. مذكرة شرم الشيخ - أيلول 1999:

o لتعديل وتطبيق الجداول الزمنية لاتفاقيات سابقة.

6. وصولا إلى كامب دايفد 2 في العام 2000 التي فشلت لوصولها إلى اللغم الأخير: حق العودة والقرار 193.

صفَّى الفلسطينيون القضية وحق العودة، وجاؤوا في طوفان الأقصى ليقضوا على الحصن الأخير، كما استنتج جورج غالاوي في لقائه محمد مرندي في 08/12/2024 ، فلم يبق في دول الطوق أي حصن قومي، وهكذا قضى الإسلام السياسي على زمن الفدائيين والجذوة القومية وتم تصفية حق العودة De Facto لعدم وجود من يطالب به بعد سقوط دمشق.

دول الطوق التي بدأ تفككها مع اتفاقية كمب دايفد في العام 1978، التي أعلنت بدء نهاية الزمن القومي، وفتحت الباب أمام الإسلام السياسي:

1- ففي إيران نجحت الثورة الإسلامية باستلام الحكم في 11 شباط 1979.

2- في مصر عاد تنظيم الاخوان المسلمين الى العمل العلني في العام 1979 وتم اغتيال السادات في 06/10/1981.

3- في سوريا بدأ الاخوان المسلمون انتفاضتهم في 16/06/1979، وصولا إلى السيطرة الكاملة على مدينة حماة وإعلان الدولة الإسلامية في 02/02/1982.

4- في العراق اندلعت الثورة الإسلامية بقيادة آية الله العظمى الشهيد محمد باقر الصدر من النجف في 20/05/1979، والذي اعدمه الرئيس الشهيد صدام حسين في 09/04/1980.

5- في باكستان أعدم ذو الفقار علي بوتو شنقا في 04/04/1979، ما خلق صدعا في المنهاج القومي الجامع في باكستان وفتح الباب للإسلام السياسي.

الخلاصة كان العام 1979 بداية نهاية الفكر القومي، لكن نهاية دول الطوق كانت على يد منظمة التحرير التي خرجت من المشهد لتحل محلها في العام 2005 حركتي حماس والجهاد الإسلامي.

مؤتمر مدريد شكل مرجعية لكل مفاوضات السلام، وكان لبنان مشاركًا فيه، ولكن يومها وحده الإسلام السياسي ممثلا بقيادته في طهران (قبل أن ينجح الإسلام السياسي التركي باستلام السلطة في أنقرة) رفض مؤتمر مدريد وحاول إفشاله لكنه يومها على خلاف اليوم لم يجرؤ على انتقاد الموقف اللبناني/السوري فكانت حاجته للأسد، والندية التي تعاطى بها الأسد مع الجميع جعلت ولي الفقيه يلتزم حدوده: ولكن ذلك لم يمنع الإسلام السياسي بعد إثنين وثلاثين عاما أن يفرغ حقده بعد أن طعن وباع وتخلى وفاوض وتنصل، وراح يلقي التهم يمنة ويسرة ويلقي باللائمة على جثة الأسد السياسية وقد طعنه حلفاؤه.

لم يتغيَّر موقف الإسلام السياسي، بل مع أردوغان أصبح هذا الموقف جزءا من الدراما التركية عبر اسطول الحرية وسفينة Mavi Marmara وفاطمة غول، فترجمتها فعلا سلسلة وادي الذئاب في فيلم وادي الذئاب: فلسطين Kurtlar Vadisi: Filistin بنفس المنهجية التي اعتمدتها السلطة في الترويج لروايتها من الانقلاب الأخير في المسلسل القصير: الذئب (Börü)، وبلغت الدراما ذروتها في زيارة محمود أحمدي نجاد إلى الجنوب، الذي تبعه رجب طيب أردوغان إلى عكار، وراحت دولتا الإسلام السياسي الاعجمي في خريف العام 2010 تتعامل مع الدولة اللبنانية والدولة السورية كدولتين في خريف عمرهما، فلم تحترما السيادة في كلتي الدولتين وراحتا تتجولان في أرجاء البلاد كـ"وكالة من غير بواب".

وهكذا كان، فكانت الدولتان فعلا في خريف العمر، وإذا أعلنت وفاة الدولة السورية في خريف العام 2024، فقد سبقتها الدولة اللبنانية التي أصيبت بذبحتين قلبيتين متتاليتين الأولى في 17 تشرين 2019 عندما انهار النظام المصرفي، والثانية في 4 آب 2020 مع انفجار المرفأ فدخل لبنان في حالة موت سريري: في العام 2023 كنت شاهدا على حالة الموت السريري في الدولة اللبنانية إذ كانت الإدارات العامة لا تعمل إلا يوم في الأسبوع أو الأسبوعين، وللحقيقة والتاريخ لم يسبق للبنان أن مر بهكذا ظروف، وفي تلك المرحلة كان الجيش اللبناني وحده المؤسسة الباقية، وتجاوزت صعوبة تلك المرحلة الاستحالة ما أثبت عبقرية القائد في تلك الفترة والتزام أبناء المؤسسة: فأثبتت المؤسسة يومها أنها العمود الفقري والخلايا الجذعية التي أعادت انبعاث الفينيق اللبناني.

في التفاوض لم يتوقف لغم الكلام، ففي مفاوضات اسلام آباد، ومع الاتفاق الإطار الذي ابرم بوساطة اسلام آباد ليل 07-08 نيسان 2026، نص صراحة على: "الوقف المتزامن والمشروط للأعمال العدائية النشطة على جميع الجبهات بين الدول المتحاربة"، وهنا يجب التنبه إلى ما يلي:

1- الذي أبرم الاتفاق هم أطراف ثلاث: الولايات المتحدة، باكستان وإيران.

2- الدول المتحاربة في هذا الاتفاق هما الولايات المتحدة وإيران.

3- الولايات المتحدة لم تقاتل على الجبهة اللبنانية.

تأسيسا على ما تقدم، ووفق النص المعلن، لبنان ليس ضمن الاتفاق، لان الولايات المتحدة لم تقاتل على هذه الجبهة: هل كان هذا أحد ألغام الكلام الذي انفجر بالمفاوض الإيراني، أم أن المفاوض الإيراني تنبه إلى هذه الثغرة وقرر أن يبيعنا عواطف بعد أن باعنا في بازار المفاوضات؟

ما يرجح الاحتمال الثاني هو العناصر التالية:

- دراما الوفد الإيراني الذي أخر المفاوضات خمس ساعات محتجًا بعدم وقف إطلاق النار في لبنان، وفجأة دون مبررات قرر دخول القاعة والتفاوض.

- مسألة المضيق وزعم اغلاقه، فيما التقارير الملاحية وكافة وسائل الاعلام المحترمة بينت أن السبب هو الصعوبة التقنية في رفع الألغام البحرية، وانجراف عدد من هذه الألغام من أماكنها بسبب التيارات المائية ودمار كاسحات الألغام الإيرانية، والدليل ما إن دخلت البحرية الأميركية ساحة رفع الألغام حتى بدأت حركة الملاحة في المضيق تتسارع.

- استمرت إسرائيل بقصف لبنان وما تزال حتى الساعة تتابع عدوانها كيفما تريد وأينما تريد والقوات الجوفضائية الإيرانية صامتة صمت القبور.

- لم تعترف الخارجية الإيرانية بإعلان السفير الشيباني غير مرغوبا فيه، وصرحت أنها لا تأخذ بقرار وزارة الخارجية اللبنانية ما يعني أنها لا تعترف بالسيادة اللبنانية ولا بالدولة اللبنانية.

تابعت الجمهورية الإسلامية في إيران مفاوضاتها مع الولايات المتحدة الاميركية فيما بيروت تحترق، ولم تتوقف المفاوضات إلا عند الاختلاف على مسائل أكثر أهمية وعمقا من مضيق هرمز وبيروت: النووي والتعويضات.

فالحد الذي لا تراجع عنه كان مدة وقف التخصيب، وعدم إبقاء أي يورانيوم مخصب في إيران، وفي هذا السياق بدأت روسيا تنفيذ التزامها فكادت تنجز إجلاء خبرائها من مفاعل بوشهر، وأعادت عرضها باستعمال منشآتها لحفظ اليورانيوم الإيراني، لكن إيران صمتت.

والأموال: الخلاف الحقيقي ليس على تحرير الأموال وإنما على آلية سدادها، فإذا بإيران تواجه عقبة كأداء هي المنصات الرقمية التي ستقبض الأموال بواسطتها، وإذا باللغم الحقيقي يكمن في الرقابة على الأموال وطريقة صرفها بما يشبه نظام النفط مقابل الغذاء الذي فرض على العراق. وإذا ببيروت تتحول إلى حالة صوتية في الدراما الايرانية أمام الأموال والطاقة. وفيما ترمب يفرض حصارا على كل صادرات إيران، وليس فقط النفط، بل حتى الجفصين، وفيما تتصاعد خسائر إيران اليومية من 350 مليون دولار إلى 480 مليون دولار تتابع إيران التفاوض والسعي إلى تحديد موعد جولة جديدة من المحادثات، وجي دي فانس يعلن أن الاتفاق الاطار ما زال مستمرا وأن وقف اطلاق النار في الخليج متماسك، ولم تنفِ الخارجية الإيرانية هذه الحقائق فيما بنت جبيل محاصرة والجنوب يحترق، ويخرج علينا أفيخاي أدرعي بصور استسلام المقاومين بمشهد يدمي القلب ويحرق الروح.

لم تقف الأمور عند هذا الحد، بل أطلقت إيران مواقف حادة بمواجهة المفاوضات المباشرة التي عقدت في واشنطن يوم 14 نيسان 2026، وفيما الدولة اللبنانية تسعى لوقف إطلاق النار عبر استعمال "التفاوض المباشر"، خرج علينا النائب الأستاذ حسن فضل الله بتفسير خاطئ لقانون مقاطعة إسرائيل للعام 1955، فهذا القانون موجه لأشخاص القانون الخاص بشكل رئيس، وكان نافذا عشية مؤتمر مدريد ولم يمنع الوفد اللبناني أن يشارك في المؤتمر.

إن قرار التفاوض وإجراء مفاوضات سلام، هو تصرف سيادي حصره الدستور في رئيس الجمهورية يمارسه بالتنسيق مع مجلس الوزراء، ولا يوجد في الدستور اللبناني ما يمنع على رئيس الجمهورية والسلطة التنفيذية أن تفاوض، فهذه المسألة تقررها قيادة البلاد، وتراقب من قبل السلطة الاشتراعية التي يعود لها حق مساءلة السلطة التنفيذية عن إجراءات التفاوض ولها أيضا الحق بطرح الثقة بالحكومة.

وهنا لا بد من الإشارة إلى مسألة مهمة: فاوضت فلسطين عبر رئيس منظمة التحرير الذي يشكل أعلى سلطة فلسطينية آنذاك، وفاوضت الأردن عبر رئيس الحكومة، ومصر عبر رئيس الجمهورية. الجمهورية العربية السورية فاوضت عبر وزير الخارجية فاروق الشرع، ولبنان في مؤتمر مدريد مثله وزير الخارجية فارس بويز. أما اجتماع واشنطن 14 نيسان 2026 فكان على مستوى السفراء. فكيف تنالون من السلطة الدستورية اللبنانية وهي ما تزال تفاوض بحزم وتتجنب الغام الكلام في سعي حثيث لوقف العدوان على لبنان.

وقف العدوان لا يستفيد منه فقط ابن طرابلس ولا ابن بيروت ولا ابن جبل لبنان، بل يستفيد منه بشكل رئيس ابن الخيام وبنت جبيل، وحريٌّ بحزب الله أن يطلب من السلطات الدستورية الإسراع في الاستحصال على وقف اطلاق نار مهما كلف الثمن قبل أن يسقط مزيد من الشجعان في محاولتهم منع لواء غولاني من احتلال ساحة التحرير في بنت جبيل.

إن كنتم تحفظون شيئا من تراث السيد، فحافظوا على هذه الذكرى، واسعوا لوقف إطلاق النار قبل أن يرفع الجندي الإسرائيلي رايته حيث وقف السيد. وقف الإسرائيلي في ساحة تحرير القنيطرة ورفع علمه هناك، فلا تسمحوا بسقوط ساحة تحرير بنت جبيل، فإذا سقطت الساحة سقطت سردية التحرير، وإذا سقط التحرير سقطت الحقوق، وإذا سقطت الحقوق يستحيل السلام، وإذا استحال السلام سنبقى في دوامة القهر والاستغلال.

المسائل التي يجب أن ينصب عليها اهتمامنا، ليس ما إذا كنا سنفاوض أم لا، بل على ماذا سنفاوض؟ لا يمكننا أن نفاوض دون أن نحصل على مسألتين أساسيتين: تحرير الأرض كاملة، وحل مسألة اللاجئين الفلسطينيين، الإسرائيلي سيفاوض حول آلية تسليم السلاح، ولدينا في منطق التفاوض القرا ر 1701 الذي يتيح لنا شرعنة السلاح، وعندها يصبح السلاح بحيازة الدولة، كيف يمكننا أن نحصل على حل مسألة اللاجئين بعد سقوط حق العودة، هل توجد دول عربية أقل كثافة سكانية من لبنان تستطيع أن تستقبلهم وتمنحهم مستقبلا مشرقا؟ بالطبع فلبنان من الدول الأكثر كثافة سكانية في العالم فهو في المرتبة 14 عالميا والثالثة عربيا (لا يتقدم عليه إلا غزة والبحرين)، فلا يمكن للبنان علميا أن يستقبل مواطنين جدد، خاصة أن مؤشرات التنمية البشرية في لبنان متدنية، وعليه يكون من حق لبنان بالحياة والحفاظ على النسب الديموغرافية والسعي إلى تحسين معدلات التنمية البشرية.

أدينا قسطنا من تضحيات الحروب، حروب الآخرين، ولم نتوانَ كلبنانيين من اتفاق القاهرة 1969 حتى يومنا هذا عن دعم تلك القضية، ولكن آن الأوان لكي نحيا، ولكي نحيا علينا أن نحمي الانسان، فالإنسان هو منطلق الحياة وهدفها.