مروان الأمين

المفاوضات المباشرة: خطوة رمزيّة أم تحوّل استراتيجي؟

3 دقائق للقراءة

حصل الاجتماع المباشر بين لبنان وإسرائيل، ونقطة على السطر.

خبرٌ بحد ذاته يحمل دلالات تتجاوز شكله، ويُعد خطوة تاريخية إذا ما وُضع في سياق الظروف المعقدة التي أحاطت بانعقاده.

للمرة الأولى منذ عقود، تبدو الدولة اللبنانية وكأنها تستعيد قرارها الدبلوماسي، الذي ظلّ لسنوات طويلة خاضعًا لتأثير نظام الأسد، قبل أن يصبح لاحقًا مُصادَرًا من قبل "حزب الله" والنظام الإيراني. هذا التحول، بصرف النظر عن نتائجه الآنية، يشكّل مؤشرًا سياسيًا لا يمكن تجاهله.

إن استعادة السيادة الدبلوماسية تُسجَّل كإنجاز مهم للدولة اللبنانية، ويُحسب بشكل خاص لكل من الرئيسين جوزاف عون ونواف سلام. غير أن هذا الإنجاز، على أهميته، لا يمكن أن يكتمل إلا باستعادة السيادة الأمنية والعسكرية، باعتبارها الركيزة الأساسية لأي قرار وطني مستقل.

قد يرى البعض أن الإقدام على هذه الخطوة وعقد الاجتماع، لا يتجاوز كونه فعلًا رمزيًا أكثر منه تحولًا جوهريًا، خاصة في ظل غياب مؤشرات ملموسة تتصل بملف نزع سلاح "حزب الله" أو بوقف الحرب.

هذا التقدير يبدو صحيحًا من حيث الشكل، لكن عند تفكيك العناصر التي تترتب على مسار استعادة السيادة الدبلوماسية، والدخول في مفاوضات مباشرة بين لبنان وإسرائيل، تتكشف الأبعاد الأعمق لهذه الخطوة.

إذ لا تقتصر أهميتها على بعدها الإجرائي، بل تحمل في طياتها دلالات استراتيجية بالنسبة للبنان، سواء من حيث استعادة دور وهيبة الدولة أو لجهة حماية لبنان واللبنانيين من الخيارات التدميرية. وفي المقابل، تنطوي هذه الخطوة على تداعيات استراتيجية مقلقة بالنسبة للنفوذ الإيراني.

بمعنى آخر، يمكن القول إن إيران و "حزب الله" قد خسرا إحدى أبرز أوراقهما، والمتمثلة بالقدرة على التحكم بالقرار الدبلوماسي واستخدامه كأداة تفاوضية لتحصيل مكتسبات سياسية. هذه الورقة كانت، طوال السنوات الماضية، تتيح لهما "تقريش" العمل العسكري سياسيًا، وتحويله إلى مكاسب تعزز نفوذهما داخل لبنان وعلى مستوى الإقليم، وذلك من خلال التوصّل إلى تفاهمات مع الإسرائيليين تقوم على قاعدة "الأمن مقابل النفوذ".

أما اليوم، ومع استعادة الدولة اللبنانية جزءًا أساسيًا من سيادتها الدبلوماسية، فإن هذه المعادلة سقطت. إذ يغدو العمل العسكري الذي يقوم به "حزب الله" فاقدًا للأفق السياسي وغير قابل للتوظيف. أصبح أقرب إلى فعل عبثي معزول يصعب تحويله إلى إنجاز سياسي يصب في خدمة النفوذ الإيراني في لبنان.

لذلك، فإن استعادة السيادة الدبلوماسية، والذهاب إلى مفاوضات مباشرة مع إسرائيل بمعزل عن حسابات النظام الإيراني، من شأنهما أن يدفعا طهران إلى إعادة تقييم استثمارها في المنظومة العسكرية لـ "حزب الله"، بعدما بات هذا الاستثمار يفتقر إلى الأفق السياسي.

من هنا يمكن فهم هذا التصعيد في الخطاب، و "الصريخ" الممتد من علي أكبر ولايتي في طهران إلى الشيخ نعيم قاسم وقيادات "حزب الله" في بيروت. فالمسألة ليست اعتراضًا على مبدأ المفاوضات بحد ذاته، بقدر ما تعكس خسارة ركيزة نفوذ أساسية سوف تعيد رسم قواعد الاشتباك السياسي، وتفتح الباب أمام تقليص استخدام لبنان كساحة ينشط فيها الحرس الثوري، وتضع حدًّا لتوظيفه في صراعات تتجاوز مصلحته الوطنية. كما تشكّل، في جوهرها، عنصر حماية للبنان عمومًا، ولأبناء الجنوب خصوصًا، من جرّهم بشكل متكرّر إلى حروب تُخاض لتحقيق مكاسب سياسية للنظام الإيراني وتوسّع نطاق نفوذه.