العميد المتقاعد جوني خلف

لبنان يفاوض بقرار الدولة والسيادة تُختبر على الطاولة

4 دقائق للقراءة

قرار الدولة اللبنانية بفتح مسار التفاوض لا يُنهي الأسئلة، بل يفتحها على نطاق أوسع: هل يملك لبنان فعلًا سيادته الكاملة عندما يجلس إلى الطاولة، أم أن السيادة نفسها ستكون موضوع الاختبار؟

لم تعد المفاوضات خيارًا مطروحًا، بل مسارًا فُتح فعليًّا، ومن يرفضه اليوم لا يوقفه بل يرفع كلفته فقط. ما جرى في واشنطن ليس اجتماعًا تقنيًا ولا جسّ نبض، بل إعلان غير مباشر بأن المجتمع الدولي قرر نقل لبنان من خانة النزاع المفتوح إلى خانة التسويات الإلزامية. وهذا التحوّل لا يأتي من فراغ، بل نتيجة مسار طويل من استنزاف الدولة اللبنانية، وانهيارها ماليًا ومؤسساتيًا، وعجزها الكامل عن ضبط قرار الحرب والسلم. في الداخل، يتكرر المشهد نفسه رفض حاد من "حزب الله" و "الثنائي الشيعي"، يقابله صمت أو تردّد أو عجز من بقية القوى. لكن هذا الانقسام، على حدّته، لم يعد هو العامل الحاسم. العامل الحاسم اليوم هو أن القرار لم يعد لبنانيًا. وهنا، لا بد من العودة إلى لحظة مفصلية في تاريخ لبنان الحديث اتفاق 17 أيار 1983. يومها، وُضع لبنان أمام خيار "السلام" تحت ضغط دولي مباشر، وبغطاء رسمي داخلي، لكنه سقط سريعًا. لم يسقط فقط بسبب رفض "المقاومة" أو سوريا، بل لأنه افتقر إلى عنصر أساسي هو التوازن الداخلي. كان اتفاقًا متقدّمًا على واقعه، أكبر من قدرة لبنان على استيعابه، فسقط عند أول اختبار جدّي. اليوم، المشهد مختلف… لكنه في الجوهر نفسه.

البيئة الإقليمية تغيّرت، دول كانت ترفض أي شكل من أشكال التطبيع، باتت جزءًا من مساراته. الأولويات الدولية تبدّلت لم يعد مقبولاً ترك بؤر مفتوحة مثل لبنان خارج إطار التسويات. أما الداخل اللبناني، فبات أضعف من أي وقت مضى: اقتصاد منهار، مؤسسات مشلولة، وسيادة منقوصة. لكن رغم كل هذه التغيّرات، هناك ثابت واحد لم يتبدّل غياب الدولة القادرة على فرض قرار موحّد. وهذا ما يجعل أي مسار تفاوضي اليوم محفوفًا بمخاطر مضاعفة. لأن لبنان لا يدخل المفاوضات كدولة مكتملة، بل ككيان منقسم على نفسه، تتنازعه سلطتان سلطة رسمية ضعيفة، وسلطة أمر واقع تملك قرار الحرب.

في هذا السياق، لا يمكن قراءة المفاوضات الجارية فقط من زاوية "السلام مع إسرائيل"، بل يجب فهمها كجزء من إعادة رسم دور لبنان في المنطقة.

السؤال لم يعد، هل سيكون هناك اتفاق؟ بل، أي لبنان سيخرج من هذا الاتفاق؟ هل سيكون لبنان دولة طبيعية، تحتكر قرارها، وتستعيد موقعها الاقتصادي والسياسي؟ أم سيكون مجرد ساحة مُعاد تنظيمها، تُضبط حدودها وتُخفّف مخاطرها، من دون أن تُبنى فعليًّا كدولة؟

في الموازاة، لا يمكن تجاهل أن لهذا المسار وجهًا إيجابيًّا واضحًا، إنهاء حالة الاستنزاف العسكري، فتح باب الاستقرار، جذب استثمارات، وإعادة ربط لبنان بالاقتصاد العالمي. لكن هذه الإيجابيات تبقى نظرية إذا لم تُترجم داخليًا. لأن الخطر الحقيقي ليس في السلام، بل في سلام ناقص. سلام يُفرض من الخارج، من دون أن يُبنى من الداخل، يتحوّل حكمًا إلى مشروع صراع جديد. وهذا ما يهدد لبنان اليوم: ليس الحرب، بل سلام غير قابل للحياة.

الرهان على إفشال المفاوضات لم يعد واقعيًا. والرهان على تمريرها بالقوة أخطر.

الطريق الوحيد القابل للحياة هو تحويل هذا المسار من "تسوية مفروضة" إلى "قرار سيادي". وهذا لا يحصل بالشعارات، بل بخطوة واحدة واضحة حصر قرار الحرب والسلم بالدولة اللبنانية، بلا أي التباس أو ازدواجية. من دون ذلك، أي اتفاق لن يكون نهاية لأزمة، بل بداية لأزمة أكبر.

لبنان اليوم أمام لحظة شبيهة بـ 1983، لكن بفارق خطير في ذلك الوقت، سقط الاتفاق لأن الخارج لم يستطع فرضه بالكامل. أما اليوم، فالمشكلة أن الداخل لم يعد قادرًا على منعه.

وبين عجز الداخل وإصرار الخارج، لا يُصنع السلام… بل يُفرض.

وعندما يُفرض السلام على بلدٍ منقسم، لا يصبح سلامًا… بل هدنةً مؤجّلة لانفجار أكبر.