في كل مرة يقترب فيها لبنان من مفترق حقيقي، تعيده القوى نفسها إلى نقطة الصفر.
بيان الحزب التقدمي الاشتراكي ليس استثناءً. هذا البيان ليس مجرد موقف عابر، بل يعكس أسلوباً سياسياً يتكرر منذ سنوات. نص يبدو داعماً للدولة في ظاهره، لكنه يعيد تثبيت القيود التي منعت قيام هذه الدولة منذ عقود.
الحديث عن دعم "خيار الدولة" لا يتعارض مع الاستناد إلى مبادرات إقليمية تحظى بإجماع عربي، كالمبادرة العربية للسلام التي أُطلقت في بيروت عام 2002. لكن الإشكالية تبدأ عندما تتحوّل هذه المبادرة إلى سقف ملزم مسبقاً يقيّد أي مسار لبناني مستقل.
ولا يقتصر الأمر على تحديد المرجعيات، بل يتجاوز ذلك إلى فرض سقف وشروط مسبقة تحسم مسار المفاوضات منذ بدايتها، فتُقيَّد من دون أن تُعطَّل، وتتحوّل إلى عملية مفتوحة بلا نهاية.
المفارقة أن البيان يطالب بتطبيق القرار 1701 واتفاق الهدنة لعام 1949، وهما قائمان على تثبيت دور الدولة وسيادتها، فيما هذا المبدأ نفسه لم يُطبّق بشكل كامل أو متوازن منذ نهاية الحرب.
اللافت في هذا الطرح أنه يستند إلى اتفاقات وقرارات متعددة، من دون أي إشارة إلى اتفاق الطائف كمرجعية داخلية أساسية لتنظيم سيادة الدولة.
الطائف واضح: حل جميع الميليشيات وبسط سلطة الدولة بما يؤدي إلى حصر السلاح بيدها، وهذا أساس قيام الدولة.
وهنا يصبح من الضروري وضع الأمور في سياقها.
من يرفع هذا الخطاب اليوم، ومنهم الحزب الجنبلاطي، كان جزءاً أساسياً من النظام الذي قام بعد الطائف تحت الوصاية السورية، نظام لم تُطبّق فيه السيادة الكاملة، بل أُديرت فيه الحياة السياسية ضمن توازنات مفروضة من الخارج.
هذا التموضع لم يتغيّر إلا في المراحل المتأخرة التي سبقت عام 2005، وهو ما يفسّر كيف يُعاد اليوم إنتاج المنطق نفسه تحت عناوين مختلفة.
هذا الأسلوب لا يقتصر على طرف واحد، بل يتكرر عبر أكثر من جهة ضمن هذا الواقع السياسي القائم.
وإذا كان النقاش يعود إلى جذور المشكلة، فهو لا يبدأ بعد الطائف فقط. منذ اتفاق القاهرة عام 1969، حين فُتح الباب أمام العمل المسلح الفلسطيني انطلاقاً من الأراضي اللبنانية، كانت قوى لبنانية، منها الحزب التقدمي الاشتراكي، تؤيد هذا الخيار ضمن معادلات إقليمية.
هذا المسار كرّس ربط لبنان بصراعات لا يملك قرارها.
وبعد عام 2005، لم يتحوّل هذا المسار إلى مشروع واضح لاستعادة السيادة، بل بقي محكوماً بمنطق التكيّف مع موازين القوى. تم الانتقال من المواجهة إلى التسويات.
هذا النهج يؤدي عملياً إلى تثبيت النظام القائم، لأنه يتعامل معه كأمر واقع بدل تغييره.
الدولة ليست شعاراً. هي جهة واحدة تقرر الحرب والسلم وتملك وحدها حق استخدام القوة.
وقف الحرب هدف بديهي، لكن الاكتفاء به من دون معالجة أسبابه هو تأجيل لانفجار جديد. الجنوب لا يحتاج فقط إلى عودة أهله، بل إلى ضمان ألا يُهجّروا مرة أخرى. وهذا لا يتحقق إلا بدولة واحدة مستقلة تملك قرارها الكامل.
وفي لحظة كان يفترض أن تكون لحظة حداد، يسارع البعض إلى تثبيت موقعه السياسي قبل أن تُوارى أجساد أبناء الجنوب في ترابهم وقبل أن يجف دمهم. هذا ليس خلافاً سياسياً، بل انفصال عن وجع الناس.
في بيانه، يحاول الحزب الجنبلاطي أن يلتقي مع موقف رئيس الحكومة نواف سلام، لكنه في الواقع يضع له إطاراً مسبقاً للحركة. الدعم لا يكون بوضع حدود لما يمكن فعله، بل بترك الدولة تمارس قرارها.
حصر المسؤولية بالخارج يختصر الحقيقة. لإسرائيل مسؤولية في الحرب والدمار، لكن ما جرى لم يكن نتيجة قرار خارجي فقط، بل نتيجة نظام داخلي سمح بتحويل لبنان إلى ساحة مفتوحة واستفاد من ذلك.
هذا النظام نفسه عطّل قيام قضاء مستقل، ومنع أي مسار فعلي للمحاسبة أو الإصلاح الحقيقي، حفاظاً على توازناته.
ستة عقود من إعادة إنتاج الأزمة كانت كافية لتكشف أن هذا الواقع السياسي القائم لا يعمل إلا داخل الأزمة.
إذا كان هناك جدية في دعم مسار تفاوضي مستقل، فليكن ذلك عبر فصل القرار اللبناني عن المحاور الإقليمية، لا إعادة ربطه بها.
ليست المشكلة في الطروحات الخارجية بحد ذاتها، بل في غياب دولة قادرة على اتخاذ قرارها السيادي تجاهها.
لبنان لا يحتاج إلى سقوف سياسية جديدة، بل إلى كسر الحلقة التي كرّسها هذا الواقع السياسي القائم.
ما يُطرح اليوم يرتبط بالمرحلة المقبلة. في لبنان، كل تسوية كبرى لا تتوقف عند وقف الحرب، بل تمتد إلى الداخل. وعندما لا يكون هناك موقف وطني حاسم، تُعاد صياغة التوازنات وفق ما تفرضه التسويات، لا وفق مصلحة الدولة.
خروج العدو من الأرض لا ينهي المعركة. يبقى عدو أكثر تجذّراً، عدو الظلم المنظّم وغياب المحاسبة، الذي يعيش على استباحة الدولة.
لبنان لا يقف اليوم أمام خيار تفاوضي فقط، بل أمام لحظة حاسمة لا تقبل الالتباس
إما دولة تملك قرارها بالكامل وتفرض سيادتها دون شريك
أو استمرار نظام يعتاش على إدارة الأزمات لحماية نفسه
في هذه اللحظة، لم يعد ممكناً الجمع بين الخيارين، ولا الاختباء خلف الشعارات
من يربط القرار اللبناني بشروط الخارج، ويتجاهل تنفيذ ما التزم به في الداخل، لا يطالب بالدولة، بل يعلن بوضوح أنه لا يريدها.