رفيق خوري

قراءات مستعجلة في ضباب الأحداث

4 دقائق للقراءة

أوضاع لبنان والمنطقة أشدّ تعقيدًا وخطورة ممّا كانت عليه قبل الحرب الأميركية – الإسرائيلية على الجمهورية الإسلامية ومواجهة إيران وأذرعها الواسعة والقوية لها. لكن المشهد لا يزال في حال سيولة شديدة، بحيث يتحكم اللايقين بالتوقعات حول الحرب والمفاوضات. فلا صورة الشرق الأوسط القديم قليلة الاهتزاز، ولا صورة الشرق الأوسط الجديد بدأت تأخذ مكانها في ضباب الأحداث. لا لبنان تمكّن من فك الارتباط بين حرب "حزب اللّه" على إسرائیل وحرب إیران. ولا هو، في الذهاب إلى مفاوضات مباشرة مع الدولة العبرية، أمسك إلّا بطرف من قرار السلم من دون قرار الحرب. لا حرب إیران اكتملت. ولا مفاوضات إسلام آباد الفاشلة أغلقت باب الدبلوماسية. ولا الوسيط الباكستاني أنهى دوره أو تخلّت عنه واشنطن وطهران.

غير أن في لبنان كالعادة من يستعجل القراءة في ضباب الأحداث. وأقلّ ما في قراءة المستعجلين هو الادّعاء أن موازين القوى تغيّرت بفعل صواريخ "حزب اللّه" في حرب الدفاع عن إيران، مع أن الصواريخ الأقوى منها في حرب "إسناد غزة" أدّت إلى إنزال ضربة قاسية بـ "الحزب" أجبرته على قبول اتفاق ليس لمصلحته نفذه ولم تنفذه إسرائيل، من دون أن ينسى إعلان "النصر". وخلاصة القراءة أن موازين القوى بعد حرب غزة وحرب الإسناد وسقوط نظام الأسد في سوريا جاءت بالوضع الجديد في لبنان. وهو اتخذ قرار سحب السلاح من "الحزب" واعتبار نشاطه العسكري والسياسي خارج القانون وطرح مبادرة التفاوض المباشر مع إسرائيل. لكن هذه الموازين تغيّرت. والتغيّرات تتطلّب إنهاء السلطة الحالية وإقامة سلطة تعكس موازين القوى الجديدة. إذ "السلطة تنبع من فوهة البندقية" حسب مبدأ ماوتسي تونغ.

ولا أحد يعرف كيف حدث هذا التطوّر الدراماتيكي بعد الثاني من آذار وأين. فالواقع أمامنا ناطق. إيران مدمّرة، وإن بقي النظام. وما يصرّ عليه ترامب في أية صفقة تضع حدًا نهائيًا للحرب كما تريد طهران هو كل شيء: لا تخصيب يورانیوم في إيران، ولا برنامج نوويًا فيها، ولا صواريخ تتجاوز مدى محدّدًا، ولا أذرع مسلّحة في الخارج. وإسرائيل تحتلّ الجنوب وتقيم فيه منطقة عازلة، تدمّر القرى والبنية التحتية لـ "الحزب" في كل لبنان، وتهجّر مليون لبناني من الذين تسمّيهم "بيئة المقاومة وشعبها". والكل يعرف ماذا يعني "إكمال المهمة" الأميركية والإسرائيلية في إيران ولبنان.

ذلك أن خطاب "المقاومة الإسلامية" يتركز على القول إن حسابات الحرب تتجاوز التضحيات البشرية والخسائر المادية والعمرانية والاقتصادية، لأن المهم هو عجز إسرائيل عن التأثير في إرادة القتال لدى "حزب اللّه". ولا يهم إذا كان يقاتل ضد إرادة الأكثرية اللبنانية ومن على أرض له شركاء فيها هي وطن لا مساحة جغرافية ولا ساحة. فضلًا عن تكرار القفز من فوق الرفض لقرار الشرعية في مجلس الوزراء والأكثرية والتهديد بحرب أهلية دفاعًا عن السلاح الذي يدافع عن إيران، للدعوة إلى الوحدة الوطنية، ولكن حول موقفه وحربه. فالوحدة الوطنية تقوم على التوازن الوطني والتفاهم السياسي على المصلحة الوطنية اللبنانية العليا والمواقف المعبرة عنها، وليس على وزن مذهبي طابش على بقية الأوزان. وسحب السلاح خارج حصرية الدولة هو جزء مهم من بناء مشروع الدولة الوطنية. أما تمسّك حزب أيديولوجي مذهبي بالسلاح خارج الشرعية، فإنه جزء من إقامة المشروع الإقليمي الإيراني على المدى البعيد، ومن السعي لإقامة "لبنان آخر" على المدى المتوسط معاكس، لا فقط للوضع الحالي بل أيضًا للحقيقة اللبنانية والتركيبة الاجتماعية لـ "وطن نهائي لجميع أبنائه" حسب مقدمة الدستور.

وهذه مهمة مستحيلة بالنسبة إلى حامل السلاح وحامل الأفكار العابرة للبلد وحامل الأفكار الصغرى من البلد. فلا التاريخ موظف عند أحد. ولا السعي لتصحيح التاريخ سوى تمارين في العبث، حيث المستقبل هو وهم اسمه بناء ماضٍ أفضل.

و "الحرب الأهلية هي اسم مستعار للحرب التي لا نستطيع ربحها" كما يقول كريستوفر غيلبي من جامعة "ديوك" الأميركية.