مقالة إبراهيم الأمين اليوم تبني سردية متماسكة ظاهرياً، لكنها تعاني من ثغرات منهجية واضحة: خلط بين الرأي والتحليل، القفز فوق الوقائع، واعتماد فرضيات غير مُثبتة كأنها حقائق. الردّ عليها لا يكون بالشعارات، بل بتفكيكها نقطة نقطة، وفق منطق سياسي ودستوري.
أولاً، في مسألة “انعدام الشرعية” التي يطرحها الكاتب، من الضروري التمييز بين الشرعية الدستورية والرضى السياسي.
انتُخب جوزاف عون وفق آليات دستورية عبر مجلس النواب، وكُلّف نواف سلام أيضاً وفق الأصول، ونالت حكومته الثقة. هذه ليست وجهة نظر، بل حقيقة منصوص عليها في النظام السياسي اللبناني.
القول إن هذه الشرعية “لا معنى لها” هو عملياً دعوة لإسقاط كامل النظام الدستوري، من دون تقديم بديل واضح، وهو طرح أقرب إلى الموقف الإيديولوجي منه إلى التحليل السياسي.
ثانياً، الادعاء بأن وصولهما هو نتيجة “احتلال أميركي ووصاية سعودية” يفتقر إلى الدليل القابل للتحقق. لبنان، بحكم موقعه وتركيبته، يتأثر حتماً بالتوازنات الخارجية، لكن هذا لا يلغي دور الفاعلين المحليين ولا آليات التوافق الداخلي. حتى القوى التي يعترف الكاتب بأنها لم تكن متفقة على بديل، شاركت في العملية السياسية ولم تنسحب منها، ما يعني إقراراً ضمنياً بشرعيتها.
ثالثاً، في ما يتعلق بخيار “التسوية” مقابل “المواجهة”، يقدّم المقال ثنائية مبسّطة ومضلّلة.
العلاقات الدولية لا تُدار بمنطق أبيض أو أسود. خيار التهدئة أو التفاوض ليس دليلاً على الضعف، كما أن خيار المواجهة ليس بالضرورة دليلاً على القوة. التجارب الحديثة تُظهر أن الدول الصغيرة، مثل لبنان، تعتمد استراتيجيات مركّبة تقوم على:
• تخفيف الأضرار
• إدارة المخاطر
• استثمار التوازنات الدولية بدل الاصطدام بها
من هنا، فإن مقاربة عون وسلام يمكن فهمها كخيار إدارة أزمة لا كـ“استسلام”، خصوصاً في ظل اختلال واضح في موازين القوى.
رابعاً، يتهم الكاتب الرئيسين بتعريض السلم الأهلي للخطر. لكن هذا الاتهام يتجاهل معطى أساسياً:
وجود سلاح خارج إطار الدولة هو بحد ذاته عنصر توتر دائم. أي محاولة لإعادة حصر القرار الأمني والعسكري بيد الدولة، حتى لو كانت صعبة أو تدريجية، تندرج ضمن منطق بناء الاستقرار لا تفجيره. الخلاف هنا سياسي بامتياز، لكنه لا يبرّر تحميل طرف واحد مسؤولية محتملة عن حرب أهلية.
خامساً، في الشق المتعلق بالسياسة الخارجية، يقدّم المقال رؤية أحادية تعتبر أن أي ابتعاد عن محور معيّن هو “خضوع”. هذا تبسيط مخلّ.
السياسة الخارجية اللبنانية تاريخياً قائمة على مبدأ التوازن، وليس الانخراط الكامل في أي محور. إعادة ضبط العلاقات مع دول الخليج أو الغرب لا تعني بالضرورة العداء مع إيران، بل قد تكون محاولة لإعادة تموضع يخفف من عزلة لبنان الاقتصادية والسياسية.
سادساً، استخدام لغة تخوينية (اتهام بالعمالة، التحريض، الجهل…) يضعف الحجة بدل أن يقوّيها. التحليل العلمي يفترض:
• عرض الوقائع
• اختبار الفرضيات
• الاعتراف بالتعقيد
سابعا، المفارقة أن المقال ينتقد ما يسميه “سردية” جوزاف عون ونواف سلام، لكنه يسقط في فخّ السردية الأحادية نفسها.
فبدل أن يقدّم بديلاً عملياً:
• كيف تُدار الدولة؟
• كيف يُتخذ قرار الحرب والسلم؟
• كيف يُحمى الاقتصاد؟
يكتفي بإعادة إنتاج خطاب تعبوي قائم على المواجهة المفتوحة، من دون أي تصور واقعي للكلفة أو النتائج.
يمكن انتقاد أداء جوزاف عون ونواف سلام، بل هذا حق وضرورة. لكن نفي شرعيتهما بالكامل، واعتبار كل خياراتهما خيانة أو تبعية، لا يصمد أمام تحليل موضوعي.
ثامناً، من الناحية المنهجية، تغيب عن المقالة عناصر أساسية لأي تحليل رصين:
• لا أرقام ولا معطيات موثقة
• لا مقارنة بين سيناريوهات
• لا تقدير موضوعي لموازين القوى
ما نجده هو لغة عالية النبرة ومنخفضة الدقّة، وهي سمة واضحة في الكتابات الشعبوية.
بينما المقال يعتمد على التوصيفات القطعية والنيات المفترضة، وهي عناصر أقرب إلى الخطاب التعبوي منها إلى التحليل.
النقاش الحقيقي ليس بين “مقاومة” و“استسلام”، بل بين نموذجين لإدارة الدولة:
• نموذج يربط قرار الحرب والسلم بجهات غير رسمية
• ونموذج يسعى، ولو ببطء وتدرّج، إلى إعادة هذا القرار إلى مؤسسات الدولة.
في مقالات الامين بشكل عام.
المشكلة في مقالات ابراهيم الامين لا تكمن فقط في استنتاجاتها، بل في طبيعة الخطاب نفسه. فهي، رغم لغتها الواثقة، تنتمي إلى نمط من الكتابة يقوم على التسخيف الانتقائي للخصوم مقابل التبسيط المفرط للواقع.
أول ما يلفت في مقالاته هو أنها تفترض منذ البداية أنها تمتلك الحقيقة الكاملة: من هو “وطني” ومن هو “تابع”، من يملك الشرعية ومن يفتقدها. هذا النوع من الطرح لا يقدّم تحليلاً، بل يصدر أحكاماً جاهزة، وهو سلوك أقرب إلى المنابر الحزبية منه إلى الصحافة السياسية.
ثانياً، يعتمد الكاتب على ما يمكن تسميته الشعبوية السياسية المغلّفة بلغة تحليلية.
فهو:
• يختزل كل تعقيدات النظام اللبناني بتوصيفات حادّة (“لا شرعية”، “مفروضون من الخارج”)
• يقدّم فرضيات غير مثبتة كحقائق نهائية
• ويستبدل النقاش الموضوعي بلغة اتهامية (خضوع، عمالة، تحريض…)
هذا الأسلوب قد يكون فعّالاً في شدّ الجمهور المتعاطف مسبقاً، لكنه لا يصمد أمام أي قراءة نقدية جديّة.
ثالثاً، المقالات تقوم على ثنائية شعبوية كلاسيكية:
“نحن” مقابل “هم”.
حيث تُمنح جهة واحدة احتكار الوطنية والمقاومة، فيما يُجرَّد الآخرون من أي شرعية أو تمثيل. هذا النمط من التفكير لا يفسّر الواقع، بل يعمّق الانقسام، لأنه يلغي المساحات الرمادية التي تشكّل جوهر السياسة في بلد معقّد كلبنان.
في النهاية تبدو مقالة الامين ، في جوهرها، محاولة لإعادة شحن جمهور سياسي محدّد، لا لتقديم قراءة واقعية للأزمة اللبنانية.
هي نصّ يعتمد على الإيحاء أكثر من البرهان، وعلى الاتهام أكثر من التحليل.
وفي لحظة يحتاج فيها لبنان إلى نقاش هادئ مبني على الوقائع، تأتي هذه المقالة لتقدّم العكس تماماً:
خطاباً شعبوياً، حادّاً، ومبسّطاً إلى حدّ الإخلال أي شيء، إلا أن يكون مقالة سياسية رصينة.