يتابع العميد المتقاعد وهبة قاطيشه روايته لـ "نداء السنين" ويحكي في هذه الحلقة الثانية عن انتقاله من جبهة الجنوب إلى ثكنة هنري شهاب في بيروت التي كانت مسرحًا لبدء الاشتباكات بين الجيش اللبناني ومسلحي التنظيمات الفلسطينية الذين استهدفوها بالقصف وقتلوا عددًا من العسكريين. ويروي أيضًا كيف انقسم الجيش واضطر مع الضباط والجنود المسيحيين للانتقال إلى الأشرفية بعد جلسة وداع مؤثرة مع رفاقه. العميد قاطيشه يكشف كيف بدأت معركة تل الزعتر ومن خاضها في البداية وبقرار ممّن، ويتحدّث عن دور العماد ميشال عون الذي كان يتابع المعركة من بعيد في برمانا.
متى غادرت الجبهة في الجنوب؟
أواخر 1970
إلى أين انتقلت؟
إلى ثكنة هنري شهاب في بيروت.
في 2 أيار 1973 حصل اشتباك مع الفلسطينيين في هذه الثكنة القريبة من مخيّمات صبرا وشاتيلا وبرج البراجنة!
كنا في الثكنة وكان ذلك اليوم يوم تدريب عاديًا وكل واحد يقوم بمهمّته. فجأة سقطت القذائف على الثكنة متل الشتي. استشهد نحو 10 أو 12 عسكريًا وأُصيبَ عدد كبير. كان المقدّم سعيد القعقور قائد الثكنة. لم يكن معنا دبّابات وملّالات بل مدافع مضادة للطائرات نركّزها على سطح الثكنة أو على آليات أم 42. عملنا حماية حول الثكنة للدفاع عنها. بعد ذلك زُوِّدنا بملّالات ودبّابات وسرية مغاوير. 8 أيار تعرّضنا للقصف ولكن كنا أخذنا احتياطات مسبقة قمنا برد فعل واحتلّينا كلّ التلال المشرفة على الثكنة وأحضرنا هواوين 120 وضعت بتصرّفي كوني اختصاصي مدفعية ميدان، وسرية مغاوير بإمرة الملازم أول سمير الأشقر ومعه أنيس طوبيا وجوزاف حبشي. احتلّوا المدينة الرياضية وكنا قادرين نفوت على المخيم. تأمّن أيضًا دعم من الطيران الحربي "هوكر هنتر" إنما الرئيس سليمان فرنجية طلب وقف القتال بعد اعتراض السفراء العرب وتمّ التوصّل إلى "اتفاق ملكارت" مع الفلسطينيين (نسبة إلى اسم الفندق التي حصلت فيه المفاوضات) وهدأ الوضع.
كان الجيش قادرًا على الحسم العسكري ضد الفلسطينيين؟
طبعًا. لو كانت هناك وحدة قرار لبنانية كان بيحسم أكيد.
حرب 13 نيسان 1975 كان يمكن أن تحصل في أيار 1973؟
عندما حصلت تلك الأحداث كان قسم من اللبنانيين مؤيّدًا للفلسطينيين. هذا الأمر أجّل المواجهة بين الجيش والفلسطينيين، بل بينهم وبين الشعب الذي وجد أن الجيش لم يعد قادرًا على حمايتهم من السلاح الفلسطيني في بيروت وتل الزعتر أو ضبيه وغيرها. لذلك بدأ الناس يتسلّحون في أحزاب "الكتائب" و "الأحرار".
عندما بدأت الحرب ماذا فعلتم في الثكنة؟
بقينا في الثكنة. بدأ الجيش يخوض مواجهات خارج بيروت. في ذلك الوقت كنت أُرسِلت مع سريتي إلى مصر للتدريب. كنا نحو 8 ضباط و120 عسكريًا. عملنا دورة وجبنا سلاح جديد مدفع 57.
بداية تفكك الجيش مطلع عام 1976 كنت عدت من مصر؟
نعم. بدأت عملية التفكّك مع ظاهرة أحمد الخطيب اعتبارًا من كانون الثاني 1976 وتمدّد الانقسام إلى كل المناطق.
تشكّلت مع مجموعتك إلى منطقة الحمرا؟
صاروا يقولون عام 1976 إن الحرب خلصت. نزلت مع مجموعتي إلى الأسواق التجارية ثم نقلوني إلى الحمرا للدفاع عن المنطقة.
شاركتم في نقل أموال أو ذهب من مصرف لبنان؟
لا. عندما كنا هناك كان الجيش تفكّك كلّه تقريبًا ما عدا الكتيبة التابعة لنا.
كيف تفكّكت وكيف نَقلتَ الأسلحة والعتاد إلى الأشرفية؟
الأعتدة كانت معي في الحمرا. الأسلحة والآليات والعسكر. شعرتُ أن هناك شيئًا ما يحصل في ثكنة هنري شهاب. ذهبت لعند قائد الكتيبة وجدت أنها لا تشبه الكتيبة التي كنت أعرفها. فوضى عارمة. كانوا يسمّوننا الجيش الألماني لأننا كنا مشهورين بالانضباط والمناقبية. دخلت إلى الثكنة وقابلت قائد الكتيبة وجدته محبطًا. كان معه سامي داغر وضابط آخر. سألته شو القصة؟ قال مرّت طائرة إسرائيلية قبل الظهر وحاول الملازم أول شربل نجيم القفز إلى الدبّابة ليطلق النار عليها منعه رقيب من آل الحجّار من شحيم. وضع له الرشاش في صدره وبعدها غادر الضباط المسيحيون إلى الغداء ولم يعودوا. كان جو الثكنة مش منيح. عدت إلى الحمرا بسرعة. كان يوم 11 آذار 1976.
يوم إعلان العميد عزيز الأحدب الإنقلاب؟
حصل الانقلاب بعد ساعات. كل الجيش كان تفكّك إلّا مجموعتي. أرسلتُ وراء بولس خوند أمين السرّ وقلت له أن يمرّ على الدبابات ويطلب منهم أن يتحرّكوا الساعة الرابعة بالضبط وينتقلوا إلى الأشرفية من دون سؤال أو نقاش. بلّغهم. كانت الساعة 3 ونص تقريبًا. الساعة 4 تحرّكت الدبّابات والملّالات بعتادها إلى الأشرفية. أتى الضباط لعندي يشتكون. عملت حالي ما معي خبر. بطلع عالأشرفية وبترك الدبابات؟ كنت أنتظر أن يتعرّضوا لي في كل دقيقة كما حصل في ثكنة هنري شهاب. ودّعتهم. كانت ساعة حزينة. البعض منهم بكوا وطلبوا أن أبقى معهم وندافع عن حالنا. قلت لسامي الأحمدية ما يحصل أقوى منا جميعًا ومن الدولة. ودّعتهم وانتقلت إلى الأشرفية حيث كانت الآليات صارت في ثكنة محمد ناصر.
في ثكنة محمد ناصر أسّستم "جيش لبنان" بقيادة الرائد فؤاد مالك؟
صحّ. كنا مشهورين بالانضباط ضباطًا وعسكريين في ثكنة هنري شهاب. تجمّعنا في هذه الثكنة وشكّلنا مجموعة مع دباباتنا وملالاتنا الأم 42 التي عمرها نحو 40 عامًا وعليها مضادات للطائرات. شكّلنا مجموعة وبدأنا مهمّات على الجبهات.
كنتم تتلقون أوامر من قيادة الجيش في اليرزة؟ أم شكّلتم قوة مستقلّة تنسّق مع أحزاب الجبهة اللبنانية؟
لم نحصل على رواتب من أي جهة لا من الجبهة ولا من الأحزاب.
على الصعيد العسكري
التنسيق العسكري لم يكن مع قيادة الجيش. لم أكن أتعاطى. كان فؤاد مالك يهتمّ بهذا الأمر وكان ينسّق مع "الأحرار". اتفقوا لإسقاط مخيّم تلّ الزعتر. أَخذتُ المجموعة لبدء الهجوم وتطويق المخيم.
شاركتم في المعركة من البداية؟
نحن البداية، نحن و"الأحرار". دوري كان النزول من عين سعادة إلى المنصورية والهجوم من طريق المكلِّس. يوم الهجوم في 21 حزيران مرَقت. نطَرت. ما كان حدا يوصل. المدفعية التي كانت تساندنا بدأت الرمي الساعة السادسة صباحًا. للساعة 8 حتى أُفرِج عن "الأحرار". بعد وقت علمت أن "كتائب المتن" قطعوا الطريق في عين سعادة لأنهم ما كان معهم خبر.
من كان مسؤولا عن المدفعية؟ حُكِيَ كثيرًا عن دور العماد ميشال عون في هذا المجال في هذه المعركة.
كان ضابط المدفعية الأساسي عادل ساسين. رماياته كانت دقيقة. ميشال عون صار ببرمانا. إجا طربوش للمدفعية. كيف علمتُ أن هناك ضابطًا اسمه ميشال عون؟ "الأحرار" الذين كانوا إلى جانبنا كنا نفقد وجودهم أحيانًا قربنا وهذا كان يشكّل خطرًا علينا. طلعتُ عدة مرات أنا والنقيب أدونيس نعمة الذي كان معنا في المجموعة نسألهم أين كنتم؟ كانوا يقولون إنهم ذهبوا لجلب ذخيرة أو دخان أو ليأكلوا. من أين؟ قالوا: من مار شعيا. طلعنا أنا وأدونيس نعمة نحو 3 مرات إلى مار شعيا وجدنا الرائد ميشال عون هناك. لم أكن أعرفه من قبل. يا سيدنا شو عم تعمل هون؟ عم يجوا لياخدوا ذخيرة أو أكل أو دخان. لماذا لا تنقل المركز اللوجستي إلى المنصورية قرب الجبهة أو إلى عين سعادة؟ رفض. أبدًا. بقي في مار شعيا كل الحرب التي استمرّت نحو 52 يومًا. لاحقًا صرتُ أسمع أنه بطل تلّ الزعتر. ما نزل من برمّانا ميشال عون. هكذا تُبنى الأساطير.
هناك أساطير كثيرة بُنِيَت ومنها أن جيش النظام السوري ساعد في الهجوم على المخيم؟
ما شفت ولا سوري حدّي. استشهد معنا سبعة عسكريين مع الضابط شربل نجيم. سائقي، نجيب رحمة، استشهد بيني وبين أدونيس نعمة. هو أنقذنا.
بعد الحرب بدأت عملية توحيد الجيش مع العماد فكتور خوري. كيف اندمجتم في الجيش؟
انحلّينا بشكل طبيعي.
الرائد مالك ترك الجيش؟
لا. تشكّل إلى الشعبة الثالثة في قيادة الجيش ثم سافر لإجراء دورة أركان حرب عليا في فرنسا. وبعدما أنهى الدورة ترك الجيش.
لقراءة الجزء الأول من الحوار يرجى الضغط هنا
يتبع الإثنين 20 نيسان 2026
العميد المتقاعد وهبة قاطيشه يروي (3من4)
من معركة الفياضية إلى معارك سوق الغرب
هذه قصة معركة 14 شباط وحرب التحرير