في لبنان، لا يختبر المواطن وجود الدولة في الدستور، بل في الطابور. في لبنان، لم يعد السؤال ما إذا كانت الدولة ضعيفة، بل ما إذا كانت تمارس دورها أصلًا. فالتجربة اليومية للمواطن تكشف واقعًا مختلفًا عمّا تقوله النصوص والخطابات: دولة حاضرة في الشكل، وغائبة في الممارسة.
في الإدارات العامة، لا تُختصر الأزمة بتأخير معاملة أو خلل إداري، بل بمنطق عمل كامل يقوم على التعقيد بدل التيسير، وعلى العلاقة بدل الحق. هنا، لا يعمل النظام وفق قواعد، بل ضمن شبكة مترابطة من المصالح، حيث يلتقي النفوذ السياسي بالحاجة الفردية، وتُدار الأمور بما يخدم استمرارية هذه الشبكة أكثر مما يخدم المصلحة العامة.
هذه المنظومة لا تحتاج دائمًا إلى تنسيق مباشر كي تستمر، بل يكفي أن يستفيد منها أطرافها. ومع الوقت، تتحول من حالة استثنائية إلى قاعدة، ومن خلل إلى نمط. عندها، لا يعود الفساد انحرافًا عن النظام، بل يصبح جزءًا من آليته. ومع ذلك، لا يمكن اختزال الصورة بالكامل. فداخل هذه المؤسسات، لا يزال هناك من يحاول العمل بضمير، لكن المشكلة أن النظام نفسه لا يكافئ هذا السلوك، بل يضعه في موقع العجز. وهنا يتبدى الخلل الحقيقي: في القواعد التي تنظّم العمل، لا في الأفراد فقط.
في المقابل، يستمر الخطاب الرسمي في التأكيد أن الدولة قائمة وتعمل. غير أن هذا الخطاب، حين يتناقض مع التجربة اليومية، لا يعيد بناء الثقة بل يضعفها. فالمواطن لا يقيس الدولة بوجودها القانوني، بل بقدرتها على تأمين العدالة وصون الكرامة. وعندما تغيب هذه القدرة، يتحول الشعور من الإحباط إلى فقدان الانتماء التدريجي.
ضمن هذا السياق، تبدو الهجرة نتيجة طبيعية لا خيارًا استثنائيًا. فالمغادرة لم تعد مرتبطة فقط بالبحث عن فرصة أفضل، بل أصبحت وسيلة للهروب من واقع يُنظر إليه على أنه غير قابل للإصلاح في المدى المنظور. ومع كل من يغادر، يخسر لبنان جزءًا من طاقته البشرية، ومن قدرته على إعادة بناء ذاته.
التحدي، في جوهره، لا يقتصر على إصلاح إدارة أو مكافحة فساد، بل يتجاوز ذلك إلى إعادة تعريف العلاقة بين الدولة والمجتمع. فالدولة لا تكون دولة بمجرد وجود مؤسسات، بل بقدرتها على فرض قواعد عادلة تُطبَّق على الجميع دون استثناء.
الخلاصة:
لبنان اليوم يعيش ازدواجية واضحة: دولة قائمة في النص، ومنظومة قائمة في الواقع. وبين الاثنين، يقف المواطن وحيدًا، يتكيّف حينًا ويغادر حينًا آخر. أما الخطر الحقيقي، فليس في هذا الواقع بحد ذاته، بل في تحوّله إلى أمر مألوف لا يُسائل، عندها لا تسقط الدولة فقط، بل تسقط الحاجة إليها. وهنا تصبح الأزمة أخطر من أن تكون أزمة دولة.