قبل أكثر من ثلاثة عقود، اندفع العماد ميشال عون نحو ما أسماه "حرب التحرير". رُفعت يومها شعارات السيادة والكرامة الوطنية عالياً، واختلط دم الجنود الأبطال الشرفاء بنرجسية وهوس ميشال عون بالسلطة، مع حملات تضليل وشائعات تخطت كل المحرمات ،وبلغت ذروتها باختراع شخصية “الشيخ عفيف الصندقلي” عبر إلباس عسكري لباس رجل دين ، لإيهام الناس بدعم الشارع الاسلامي لعون. لكن النتائج جاءت كارثية وصادمة ومناقضة تماماً للأهداف المعلنة؛ لأن القرار العسكري كان معزولاً عن الواقع الحقيقي، وقائماً على سوء تقدير فادح لموازين القوى، وعلى رهان ساذج على تدخلات خارجية لتغيير المعادلات.
أورثت تلك “الحروب العبثية” دماراً واسعاً وانهياراً لما تبقى من هيكل الدولة والجيش، وانتهت بهزيمة عسكرية مدوية فتحت الباب أمام اتفاق “الطائف”. ورغم أن الاتفاق أوقف آلة القتل، إلا أن استمرار ميشال عون في تعنته آنذاك وهروبه إلى الأمام كرّسا واقع الاحتلال السوري الكامل لثلاثة عقود. يومها دفع اللبنانيون عامة، والمسيحيون خاصة، ثمناً باهظاً من تهجير وتراجع سياسي، نتيجة مغامرات رجل نرجسي مهووس بالسلطة لم يحسَب فيها أي حساب لكلفة أوهامه على الناس ولم يكن عنده أي تصور آخر الا ما توهمه انه الطريق الالزامي للبقاء في بعبدا ولو معبدا بجماجم الجنود ودم الضحايا ودموع الارامل واليتامى.
اليوم، يعيد التاريخ نفسه بنسخة أكثر دموية وتعقيداً. فقد انخرط “حزب الله” في مواجهات متتالية، بدأت تحت شعار “إسناد غزة”، ووصلت اليوم الى "اسناد طهران" للانتقام للخامنئي. وهي مغامرات اثبتت الحقائق العسكرية أنها نابعة من اعتقاد وهمي بفائض قوة غير محسوب، أدخل لبنان عامة والطائفة الشيعية خاصة في أتون أزمة وجودية. استُنزفت البلاد، وزادت من عزلتها الاقتصادية، وتحول الجنوب الى ساحة مفتوحة، تغرق في دوامة من الدم والنار.
في الواقع أثبتت الوقائع الميدانية أن سرديات “توازن الرعب” و”بيت العنكبوت” لم تصمد أمام التفوق التكنولوجي والاستخباراتي للعدو. فبينما كانت الدعاية تروّج لانتصارات كبرى، كان الواقع يسجل تهجير مئات الآلاف ودماراً غير مسبوق. وزاد الطين بلة اعتماد الحزب على آلة إعلامية مرتبكة، سطحية لدرجة الغباء يديرها صبية محدودي التفكير وقعت في ممارسات تضليل فجة، من فبركات ميدانية إلى روايات مسرحية ساذجة سرعان ما تنكشف، ما أضعف صدقيتها وأفقدها تأثيرها.
وكما قادت مغامرات عون إلى “الطائف” ثم إلى تكريس الاحتلال السوري، تبدو مغامرات “حزب الله” اليوم وكأنها تدفع لبنان نحو تسوية من نوع آخر، تُفرض تحت ضغط موازين قوى جديدة، وعلى أنقاض القرى المدمرة وواقع التهجير. تسوية أقرب إلى منطق “مُجبرٌ أخاك لا بطل”.
المفارقة التاريخية الاولى: اتفاق الطائف جاء ليضع حداً لطموح انسان نرجسي استغل السلطة وقامر بالوطن والجيش من أجل كرسي، أما أي اتفاق مرتقب اليوم فقد يأتي لينهي مشروع “إمبراطورية متخيلة” إقليمية سعت ايران من خلال انشاء “حزب الله” إلى ضمان وصولها الى ضفاف المتوسط.
المفارقة التاريخية الثانية: أن المشروعين التقيا في لبنان ضمن ما عُرف بـ"اتفاق قاعة مار مخايل"، الذي مهّد لتسلّمهما مقدّرات الحكم بالقوة والإرهاب، ما أوصل البلاد إلى أكبر كارثتين مرّتا في تاريخه الحديث: الانهيار المالي والاقتصادي، وانفجار مرفأ بيروت.
الخشية الكبرى اليوم تبقى في أن يأتي أي اتفاق جديد منقوص السيادة، كما حصل مع الطائف. فإذا كان تهور عون قد فتح الباب للهيمنة السورية، فإن إصرار الحزب على المكابرة والانتحار، رغم التحولات الميدانية، قد يفتح الباب أمام ترتيبات أمنية أشد قسوة، تُفرض على لبنان وتقيّد قراره الوطني لسنوات طويلة قادمة.