جوزيف حبيب

حاصر حصارك

4 دقائق للقراءة

تفرض القوات الأميركية حصارًا محكمًا على الموانئ الإيرانية منذ أيّام معدودة، إلّا أن الإيرانيين يعيشون في سجن كبير منذ 47 عامًا ويأملون بأن يُساهم الحصار الأميركي في تحرّرهم من رجس حكّامهم. يبدو أن النظام الإسلامي في طهران يجهد للتفوّق على نظيره الشيوعي في بيونغ يانغ. فنظام كيم يفرض تضييقًا خانقًا يعزل الكوريين الشماليين كلّيًا عن العالم الخارجي، حتى أنه يطبّق قيودًا صارمة للغاية على حرّية التنقل داخل البلاد. لكن طهران تتميّز في مقاربات عقائدية متزمّتة من نوع آخر، إسألوا رفيقات ورفاق مهسا أميني وآرميتا كراوند ونرجس محمدي وغيرهنَّ من ضحايا سياسات آيات الله وبطشهم. وكذلك الأمر في كوبا، حيث تمنع واشنطن وصول الإمدادات النفطية إلى الجزيرة الشيوعية، فنظام الراحل فيدال كاسترو يخنق الحرّيات في البلاد منذ 67 عامًا، استوضِحوا أكثر عن القضية من السجناء السياسيين والجالية الكوبية الكبيرة في فلوريدا.

توعّد ترامب بأن دور كوبا آتٍ بعد الانتهاء من إيران. كلّ ما يتمناه الإيرانيون أن يحسم الرئيس الأميركي المسألة الإيرانية جذريًّا، قبل انكفائه عن بلادهم التي تستحق الحياة. وفي حال نجحت واشنطن في إسقاط نظام الجمهورية الإسلامية أو أقلّه تعبيد طريق الإيرانيين لطيّ "الحقبة السوداوية" نهائيًّا، وانتقلت بعدها أو حتى خلالها إلى كوبا وأنجزت المهمّة هناك أيضًا، تكون إدارة ترامب قد أحسنت استثمار تقاطع سعي شعوب إلى التحرّر من "استعمار داخلي"، مع مصالح واشنطن. وبالتالي، أنقذت شعوبًا من نير الظلامية بالتوازي مع تحقيق غاياتها، بعدما فشل رؤساء أميركيون سابقون في إغلاق حسابات عالقة، بل إنهم تسبّبوا في كثير من الأحيان بتعقيدها أو إغراق بلادهم في مستنقعات كانت بغنى عنها.

لا شكّ أن "إيران الجديدة" كما "كوبا الجديدة"، ستصبحان حليفيْن طبيعيّيْن لأميركا متى خلعتا عنهما العباءة السوداء والوشاح الأحمر تواليًا. يحلم معظم الإيرانيين والكوبيين بالتعلّم أو العمل، والعيش في الولايات المتحدة. حتى أن كارهي أميركا وشاتميها من أبناء قادة طهران ومؤيّديهم الميسورين، يتسابقون للعيش برفاهية في بلاد "العم سام"، قبل أن تبدأ واشنطن بإلغاء تأشيراتهم. إنها الوقاحة بعينها أن ترى شخصًا مؤدلجًا وحاقدًا يهتف "الموت لأميركا" في تظاهرة معادية لكلّ ما تمثله القيم الأميركية، ثمّ يقاتل للسفر إليها مستغلًّا أي فرصة سانحة. والأنكى من كلّ ما سبق، أن تشاهده ينشط ضدّ البلاد التي وفّرت له كلّ ظروف النجاح بهدف إلحاق الضرر بها وبمواطنيها، متى صار ضيفًا ثقيلًا في ربوعها. إلّا أن التاريخ لن يرحم أنصار "الثورة الإسلامية"، فالمعادلة تغيّرت داخل إيران، والوقت وحده كفيل بإظهار حقيقة التحوّلات في البنى التحتية المجتمعية وتجسيدها في البنى الفوقية السلطوية.

النظرة تجاه "الغرينغو" الأميركي في العالم اللاتيني، اختلفت عمّا كانت عليه ماضيًا. صحيح أنه لا تزال هنالك شرائح مناهضة للولايات المتحدة، وهي ستبقى موجودة بطبيعة الحال بحكم عوامل ومعطيات مختلفة، بيد أن الجوّ العام في كثير من الدول اللاتينية تبدّل جوهريًّا. ومن يراقب كوبا في السنوات الأخيرة، يدرك معنى هذا "الانقلاب الثقافي" الآخذ في التمدّد. يعي زعماء كوبا إلى حدّ كبير أن وضعيّتهم الشعبية ما عادت كما كانت أيّام "الكومندانتي". ويعلم الملالي حال شرعيّتهم المتآكلة ويكثفون على هذا الأساس تنفيذ الإعدامات كسياسة ردع بعدما ارتكبوا مجازر وحشية لإجهاض ثورة الحرّية يومَي 8 و9 كانون الثاني الفائت.

يطوّق ترامب اليوم من يخنق شعوبه منذ عقود طويلة. اختار مادورو المواجهة، فاستحال قابعًا في سجن نيويوركي سيّئ السمعة كصيت الديكتاتور المخلوع. يقف طغاة طهران وهافانا أمام منعطف مصيري وسط استحقاقات داخلية وخارجية داهمة. تنطلق أعظم مخاوفهم من مقاهي الأحياء وحُرم الجامعات، وهم يسمعون بوضوح أصوات الإيرانيين والكوبيين تعلو هاتفة: حاصر حصارك لا مفرّ...