مايا الخوري

من رحم الأزمات وُلد العطاء

التطوّع أعلى درجات الإنسانية

5 دقائق للقراءة

العمل التطوّعي قوة إنسانية فاعلة في زمن الأزمات والحروب، لا يقتصر على تقديم المساعدة العينيّة وتأمين الاحتياجات الأساسية، بل يمتدّ ليشمل الدعم النفسي والاجتماعي.

كل مبادرة مهما كانت صغيرة ومحدودة قادرة على إحداث فرقٍ عند الآخر خصوصًا أننا شعب يرتكز على التكافل والتضامن في الأزمنة الصعبة.

العمل التطوّعي أمر أساس في المجتمع في زمن الاستقرار، فكيف الحال عند دق ناقوس الأزمات والحروب، حينها يرتفع بشكل تلقائي لأننا شعوب قائمة على التكافل والتضامن ومساندة بعضها البعض في الأزمنة الصعبة. وعلى رغم أهمية الدعم النفسي في هذه الأزمنة إلا أن الدعم اللوجستي ضروري جدًا، يرتكز حاليًا على تأمين الاحتياجات الأساسية كالدواء والاستشفاء والغذاء وغيرها من أساسيات الحياة اليومية.

وتوضح الدكتورة فريال حلاوي، أستاذة محاضرة ومستشارة في تطوير الذات، أن الدعم النفسي عملية مستمرّة لمساندة الأشخاص بينما يتضمّن الإسعاف النفسي فكرة التحرك سريعًا تحت وطأة الضرورة والأزمة القصوى. مشيرة إلى دراسة أكاديمية قد لحظت انخفاض منسوب التعصّب عند الشباب في العمل التطوّعي، وذلك لأنه يرتكز على الغاء الفروقات والتحرّك انطلاقًا من إنسانيتنا، "يساهم التطوّع في تعزيز روح التضامن والتكافل بين أفراد المجتمع حيث ننظر إلى الآخر من خلال إنسانيته بغض النظر عن هويته وجنسيته".

أمّا عن المهارات التي يجب أن يتمتع بها المتطوّع لتأمين هذا الدعم، فتقول: "يجب أن يمتاز بالإنسانية، لأنه يضحّي بوقته من أجل مساعدة الآخرين وهذا دليل على درجة إنسانية عالية جدًا. إضافة إلى التواصل، خصوصًا أننا نفتقده بين النازحين أنفسهم وبين هؤلاء والشعب المضيف"، مبرّرة ذلك بأنه نتيجة طبيعية لأحداث طارئة مفاجئة.

وعمّا إذا كان العمل التطوّعي يساعد في سدّ الفجوات التي قد تعجز المؤسسات عن تلبيتها، تجيب: "تحتاج المؤسسات إلى وقت للتحرّك، أما الأفراد فيمتلكون القدرة على التحرّك سريعًا في حال الطوارئ، لذلك نتحدث عن إسعاف لوجستي وآخر نفسي، يمثل التدخل الفجائي والمباشر للملمة الموضوع وتأمين المساعدة".

وما إذا كان العمل التطوعي يساهم فعلًا في تعزيز صمود المجتمعات في مواجهة التحديات، تقول: "طبعًا، وأدعو إلى تربية أطفالنا على هذا المفهوم لأنه قائم على تقبّل الآخر، والنظر إليه من الجانب الإنساني بعيدًا من أي اصطفاف مذهبي وطائفي وسياسي، فيعزز صمود المجتمعات والعلاقات الإنسانية ويبني صورة أفضل عن العلاقات بين الناس".

وتضيف: "يجب أن يعتاد أولادنا على مساعدة الآخرين المحتاجين، وتعليمهم وهب ثيابهم وألعابهم التي ليسوا بحاجة إليها لأنها تُحدث فرقًا عند الآخرين كما أشجع الشباب دائمًا على الانخراط في مؤسسات تطوعية مثل الصليب الأحمر اللبناني وغيره"، مشدّدة على أنهم يكتسبون القيم الاجتماعية العليا من خلال التطوّع الاجتماعي، في ظلّ عصر العولمة والإنترنت والتواصل الافتراضي الذي عزز الفردانية أي دوران الفرد حول نفسه طيلة الوقت وتراجع التعاطف مع الآخر، فيما يزرع العمل التطوعي قيم التعاطف والمساندة. ناهيك عن استثمار الوقت بمساندة الغير بدلًا من الجلوس كل النهار أمام الشاشات.

وبالنسبة إلى ما يكسبه المتطوّع على الصعيد النفسي، تقول: "يعيش المتطوّع ظروف الحرب والأزمة أسوة بكل مواطن آخر، وبالتالي فإن نشاطه يخفف من شعوره بالتوّتر والقلق، ويعزز إحساسه بالرضا بفضل عطائه ومساعدته من يحتاجون إلى العون. وكذلك يشعر بالانتماء إلى المجتمع وإلى هذه الشريحة التي يتفاعل معها ويقف عند ألمها وحاجاتها، في المقابل، يعزز بدوره الصحة النفسية لدى الآخرين".

وإذ دعت حلاوي إلى ضرورة تنظيم العمل التطوعي أشارت إلى أن ذلك لا يتحقق تحت وطأة أزمة غير محضر لها، لذلك هناك فرق ما بين العمل التطوعي على الأرض وذلك الذي ينطلق من ضمن مؤسسة ناشطة أساسًا في هذا الإطار".

وفي حين لفتت حلاوي إلى الدور الأساس والكبير الذي يجب أن تقوم به المؤسسات التربوية والإعلام لنشر ثقافة التطوّع، أسفت لما نشهده عبر مواقع التواصل الاجتماعي، والذي يعزز التفرقة ما بين الناس خلافًا لمفهوم العمل التطوّعي، وتقول: "نلحظ جبهات تهاجم بعضها البعض وهذه ثقافة لا تخدم مبدأ التطوّع الذي هو رؤيوي ومستقبلي ينظر بشمولية لا بتجزئة".

وتحدثت عن الفئات الأكثر حاجة للمساعدة في الأزمات، فأشارت الى أن "الأطفال وكبار السن هم الأكثر حاجة للمساعدة. بالنسبة إلى المسنين الذين يعانون من الزهايمر أو أي نوع من أنواع الخرف، فإن مغادرتهم حيّزهم الخاص أو منزلهم إلى مكان آخر، سيسبّب لهم تراجعًا وضياعًا. وعلى رغم أن الأطفال قادرون على التكيّف مع الظروف الطارئة، إلا أنه يجب التنبه إلى أي علامة قد تظهر عليهم كأعراض العزلة والاكتئاب والانطواء بعيدًا عن الأطفال الآخرين، فيحتاجون أكثر إلى الرعاية والحماية".

واعتبرت أخيرًا أننا لم نستطع التوصل بعد إلى مرحلة نحوّل فيها المبادرات التطوعية إلى ثقافة مجتمعية مستدامة، يُنظر من خلالها إلى الجميع بمساواة من دون تفرقة وتتضمن مفهوم المواطنة وفكرة الانتماء إلى الكل لا إلى الجزء وفكرة "نحن" بدلًا من "أنا".

وختمت: "نطمح لأن تصبح المبادرات التطوعية ثقافة مجتمعية مستدامة ولكن ستبقى هناك صعوبات طالما نفتقر إلى ثقافة الكل والوطن للكل".