المحامي إميل عون

مضيق هرمز في ظل التوترات الأميركية - الإيرانية: عندما يُجبَر القانون الدولي على الصمود

8 دقائق للقراءة

 في قلب التوازنات الدولية المضطربة، حيث تتشابك المصالح الاستراتيجية مع ضرورات الأمن القومي، يبرز مضيق هرمز بوصفه ليس مجرد معبر مائي، بل فضاءً قانونيًا مركبًا تختبر فيه قواعد النظام الدولي حدود فعاليتها. فهذا المضيق، الذي يربط بين الخليج العربي وخليج عُمان، لا يُختزل في كونه شريانًا لنقل الطاقة فحسب، بل يتجاوز ذلك ليغدو مسرحًا تتقاطع فيه مفاهيم السيادة، وحرية الملاحة، والأمن الجماعي. وفي ظل التصعيد المتجدد بين الولايات المتحدة وإيران، يطفو على السطح سؤال قانوني بالغ التعقيد: هل يظل نظام المرور العابر، كما كرّسته اتفاقية الأمم المتحدة لقانون البحار 1982، قائمًا غير قابل للتعليق حتى في زمن النزاعات المسلحة، أم أن منطق الحرب يفتح الباب أمام إعادة تأويله أو حتى تعطيله؟ إن هذا السؤال لا ينتمي إلى دائرة الجدل النظري المجرد، بل يلامس جوهر النظام الدولي ذاته. فإغلاق المضيق، أو حتى التلويح بذلك، لا يُعد مجرد إجراء سيادي، بل يُحدث ارتدادات عميقة على الاقتصاد العالمي، ويهدد استقرار أسواق الطاقة، ويضع القانون الدولي أمام اختبار وجودي حقيقي. وتنطلق هذه القراءة من فرضية أساسية مفادها أن نظام المرور العابر لا يشكل مجرد تقنية قانونية لتنظيم الملاحة، بل يمثل قاعدة بنيوية ذات طابع شبه آمِر، تعكس انتقال القانون الدولي من منطق السيادة المطلقة إلى منطق المصلحة الجماعية، وأي محاولة لتعطيله، حتى في زمن الحرب، لا يمكن أن تُفهم إلا كخرق جسيم للنظام القانوني الدولي. من هنا، نعالج بإختصار كلي مسألة تكريس المرور العابر ومن ثم تطبيق القانون الدولي في زمن الحرب.

أولًا، التحول البنيوي في قانون البحار وتكريس المرور العابر

لقد شهد القانون الدولي للبحار تحوّلًا نوعيًا منذ منتصف القرن العشرين، حيث لم يعد البحر مجرد إمتداد لسيادة الدولة، بل أصبح فضاءً مشتركًا يخضع لتنظيم جماعي. وقد بلغ هذا التحول ذروته مع اعتماد إتفاقية الأمم المتحدة لقانون البحار 1982، التي أرست نظامًا قانونيًا متكاملًا يعكس توازنًا دقيقًا بين مصالح الدول الساحلية وحقوق المجتمع الدولي. وفي هذا السياق، لم يعد يُنظر إلى المضائق الدولية بإعتبارها جزءًا خاضعًا بالكامل للسيادة الإقليمية، بل كمعابر وظيفية لا يمكن تعطيلها دون المساس بالمصلحة العامة. وكما يشير جان-بيار دوبوي، فإن "قانون المضائق يعكس إنتقالًا من منطق الامتلاك إلى منطق الخدمة" (1). إن المادة 38 من UNCLOS، التي تعرّف المرور العابر، لا تكتفي بوضع قاعدة إجرائية، بل تؤسس لنظام قانوني مستقل، يتميز بخصائص تجعله أقرب إلى القواعد الآمرة، كعدم القابلية للتعليق (المادة 44 من UNCLOS)، وشمول جميع وسائل النقل (2) وتحرره من الرقابة المسبقة للدول الساحلية (3). ويرى آلان بيليه أن هذا النظام "يُقيّد السيادة الإقليمية بشكل جوهري لصالح حرية الملاحة"(4)، فيما يعتبر أنطونيو كاسيزي أن المرور العابر يندرج ضمن "القواعد البنيوية للنظام الدولي" (5). والجدير ذكره أن هذا النظام لم يبقَ سجين النصوص الاتفاقية، بل تعزّز عبر الاجتهاد الدولي. فقد أكدت محكمة العدل الدولية في قضية مضيق كورفو 1949 أن حرية الملاحة في المضائق الدولية تمثل مبدأً راسخًا في القانون الدولي العرفي (6). كما دعمت المحكمة الدولية لقانون البحار هذا الاتجاه في قضية M/V Saiga 1999، حيث اعتبرت أن حرية الملاحة حق لا يمكن إخضاعه لإرادة منفردة (7). من هنا، يتضح أن المرور العابر لم يعد مجرد نظام اتفاقي، بل أصبح قاعدة عرفية ملزمة، تفرض نفسها حتى على الدول غير الأطراف في الاتفاقية. وهكذا يُفهم لماذا تتمسك إيران بفكرة المرور البريء في مضيق هرمز وهو حرية مقيدة تخضع لسيادة الدولة الساحلية، وليس المرور العابر وهو حرية شبه مطلقة تخدم المجتمع الدولي، لأن المرور البريء يعطيها سلطة أكبر بمعنى إمكانية التقييد أو التعليق مثلًا، على عكس المرور العابر الذي يسحب منها هذه السلطة.

ثانيًا، القانون الدولي في زمن الحرب بين الاستمرارية والتكيّف

لطالما ساد الاعتقاد بأن الحرب تُنشئ فراغًا قانونيًا، غير أن الفقه الحديث تجاوز هذا التصور. إذ يؤكد باتريك داييه أن "القانون الدولي لا يختفي في زمن النزاع، بل يعيد ترتيب قواعده" (8). وقد كرّست محكمة العدل الدولية هذا المبدأ في قضية نيكاراغوا ضد الولايات المتحدة 1986، حيث شددت على أن استخدام القوة لا يعفي من الالتزام بالقواعد الدولية (9). ويُعد هنا دليل سان ريمو 1994 محطة أساسية في تنظيم العمليات البحرية، حيث حاول التوفيق بين متطلبات الحرب وضرورات حماية الملاحة. وقد نصّ الدليل على أن الحصار البحري مشروع بشروط صارمة ويجب احترام الملاحة المحايدة ولا يجوز تعطيل المضائق الدولية بشكل كامل (10). أما بالنسبة لحدود القيود العسكرية ورغم الاعتراف بإمكانية فرض قيود، إلا أن هذه القيود تبقى محكومة بمبادئ التمييز بين الأهداف العسكرية والمدنية والتناسب في استخدام القوة (11)، الضرورة العسكرية (12) وحماية مصالح الدول الثالثة، وفي هذا الإطار، يشير دوبوي إلى أن "الحرب لا تبرر المساس بالبنية الأساسية للنظام الدولي" (13). بعض الامثلة لإغلاق المضائق الدولية، ونبدأ بمضيق تيران الذي يعتبر سابقة سياسية لا قانونية، وقد شكّل إغلاق مضيق تيران عام 1967 حدثًا مفصليًا، إلا أنه لم يُنتج قاعدة قانونية عامة، بل بقي ضمن إطار النزاع السياسي (14). أما بالنسبة لمضيق البوسفور ونظام التقييد المنظّم، يخضع مضيق البوسفور لاتفاقية مونترو، التي تسمح بقيود محدودة، لكنها تحافظ على جوهر حرية الملاحة (15). فهذا يدل قانونًا عبر المقارنة أن الإغلاق الكامل غير مشروع والقيود يجب أن تكون استثنائية وبالتالي تبقى الأولوية للمصلحة الدولية. على مستوى المسؤولية الدولية ووفق مشروع مواد مسؤولية الدول 2001، إن إغلاق المضيق يُعد فعلًا غير مشروع دوليًا يترتب على الدول الساحلية وقف الانتهاك والتعويض الكامل وضمانات عدم التكرار (16)، أما التزامات الدول المتحاربة، فتخضع العمليات العسكرية لاتفاقيات جنيف 1949، التي تفرض حماية المدنيين والبنية التحتية (17)،كما أكدت محكمة العدل الدولية أن الدفاع الشرعي لا يعفي من إحترام القانون الدولي (قضية نيكاراغوا-1986).

الخاتمة

في نزاع 2026، إن أي تقييد جوهري للمرور في هرمز يترتب عليه قيام مسؤولية إيران وفق مشروع مواد مسؤولية الدول (2001)، بما يشمل وقف الانتهاك فورًا، وتعويض الأضرار، وتقديم ضمانات عدم التكرار. أما الولايات المتحدة، فعليها احترام اتفاقيات جنيف لعام 1949 في عملياتها العسكرية. ويشدد آلان بيليه على أن "الاستناد إلى الدفاع الشرعي لا يعفي من إحترام القواعد الأساسية للقانون الإنساني"(18)، ولا يُختزل التوتر في مضيق هرمز في نزاع إقليمي، بل يمثل اختبارًا حقيقيًا لمدى قدرة القانون الدولي على الصمود، فهو يكشف عن مفارقة أساسية وهي من جهة، سعي الدول إلى فرض سيادتها، ومن جهة أخرى ضرورة الحفاظ على المصلحة الجماعية. وكما يعبّر الفقيه الكبير أنطونيو كاسيزي، فإن "القانون الدولي هو فن تنظيم القوة لا إلغائها"(19). بإختصار، يتبيّن أن نظام المرور العابر في المضائق الدولية، وعلى رأسها مضيق هرمز، يشكّل أحد الأعمدة الأساسية للنظام القانوني الدولي، وهو ليس مجرد قاعدة تقنية، بل تجسيد لفكرة أن بعض المصالح تتجاوز سيادة الدول، وتدخل في نطاق المصلحة المشتركة للإنسانية. نهايةً، إن أي محاولة لإغلاق المضيق، حتى في سياق نزاع مسلح، لا تمثل مجرد خرق لقاعدة قانونية، بل تهديدًا مباشرًا لإستقرار النظام الدولي. ومع ذلك، يُثبت القانون الدولي، رغم كل الضغوط، قدرته على الصمود، ليس بوصفه نظامًا مثاليًا، بل كإطار واقعي يفرض حدودًا على القوة. وهكذا، يبقى البحر، حتى في زمن الحرب، فضاءً للحرية المنظمة، لا للفوضى والاعتباط، كما يقول دوبوي.



المراجع:


1. Dupuy, Droit international public

2. Churchill & Lowe, Law of the Sea

3. Rothwell & Stephens, The International Law of the Sea

4. Pellet, Droit international public

5. Cassese, International Law

6. ICJ, Corfu Channel (1949)

7. ITLOS, M/V Saiga (1999)

8. Daillier & Pellet, Droit international public

9. ICJ, Nicaragua (1986)

10. San Remo Manual (1994)

11. Additional Protocol I (1977)

12. Dinstein, War, Aggression and Self-Defence

13. Dupuy, Droit international public

14. Dinstein, War, Aggression and Self-Defence

15. Montreux Convention (1936)

16. ILC Articles (2001)

17. Geneva Conventions (1949)

18. Pellet, Droit international public

19. Cassese, International Law


محـام جنائي دولي وأستاذ جامعي


https://emileaoun.com/