محمد دهشة

عودة على وقع الهدنة… بين غصّة النزوح واختبار الصمود

3 دقائق للقراءة

مع دخول اتفاق وقف إطلاق النار بين لبنان وإسرائيل حيّز التنفيذ، تبدّل المشهد في الجنوب بصورة دراماتيكية؛ من ضجيج الغارات ورائحة البارود والموت، إلى هدوء حذر يلفه الترقب. هدنة لم تُنهِ القلق، لكنها نجحت في كسر حدّته، وفتحت الطريق أمام أولى موجات العودة، خصوصًا إلى ما بعد جنوب الليطاني.

هي عودةٌ لا تشبه سواها؛ مثقلة بوجع النزوح، ومشدودة بإرادة البقاء. قرىً تقف على تخوم الدمار، تنتظر أهلها كما تركوها، وأهالٍ يعودون إليها بقلوب معلّقة بين خوفٍ لم ينطفئ، وأملٍ لم ينكسر وسط الدمار الكبير.

لم يكن الصباح عاديًا. بعد خمسةٍ وأربعين يومًا من الحرب، بدا يوم أمس مختلفًا تمامًا. لم يذق كثير من النازحين طعم النوم، أو استيقظوا قبل الفجر، كأنهم يسبقون الضوء نحو بيوتهم. منذ الساعات الأولى، انطلقت القوافل: سيارات محمّلة بما خفّ من الأمتعة، تعلوها الأعلام اللبنانية والرايات، وتصدح أبواقها كأنها إعلان جماعي عن شوق العودة إلى الحياة… ولو موقتًا.

تركّزت حركة الرجوع في قرى وبلدات أقضية صيدا والنبطية وصور، من الزهراني شمالًا حتى القاسمية جنوبًا. هناك، حيث دمّرت الغارات أحد الجسور قبيل سريان الهدنة، تحوّل العبور إلى فعل تحدّ صريح. عائلاتٌ سلكت طرقًا فرعية، رافضة تأجيل اللقاء مع منازلها، وكأن المسافة لم تعد جغرافيا، بل مسألة كرامة وحنين.

ورغم الدعوات إلى التريث والحذر، اختار كثيرون العودة دون انتظار اكتمال المشهد. لم يبحثوا عن ضمانات بقدر ما سعوا إلى ملامسة جدرانهم، وتفقد ما تبقى من تفاصيل حياتهم، تمهيدًا لترميم ما يمكن ترميمه، واستعادة ما يمكن إنقاذه من ذاكرة المكان.

في المقابل، فضل آخرون الترقب، في ظل استمرار الخروقات الإسرائيلية، وبقيت مراكز الإيواء في صيدا مفتوحة، تستقبل من لم يحسموا خيارهم بعد. مشهدٌ يختصر التداخل المعقد بين الخوف والأمل، بين الحذر والرغبة في العودة.

وسط هذه الصورة، تختصر "أم علي" حكاية الجنوب. نزحت إلى بيروت، لكنها ما إن سمعت بالهدنة حتى عادت مسرعة إلى بلدتها الخرايب. في يدها باقة ورد صفراء، وفي صوتها ارتجاف الطريق. عند مدخل صيدا، توقفت لالتقاط أنفاسها، ثم همست بما يشبه الوعد: ستبدأ بزيارة المقبرة، تقرأ الفاتحة، تودّع الغائبين، قبل أن تعود إلى منزلها… فالمهم بالنسبة لها ليس ما أصاب الحجر، بل أن يبقى الإنسان قادرًا على الصمود.

ولا تختلف رواية أبو حسين حمدان كثيرًا. عاد من نزوحه في صيدا إلى بلدته رومين، مثقلاً بدمعةٍ وصوتٍ يختزن القلق: الهدنة، بالنسبة له، قد لا تكون سوى استراحة قصيرة. وبين الخشية من تجدّد الحرب، يظل التوق إلى السلام هو الأثقل حضورًا، والرغبة في العيش بأمان في البيت والأرض هي العنوان الأوضح.

هكذا تبدو العودة في الجنوب: ليست خاتمة حرب، بل بداية اختبار جديد. اختبارٌ للصمود في وجه ذاكرة مثقلة، وبيوتٍ تنتظر من يعيد إليها الحياة، وأناسٍ اعتادوا أن ينهضوا، كل مرة، من بين الركام… ولو إلى حين.