حملت زيارة البطريرك الماروني الكاردينال مار بشارة بطرس الراعي إلى قرى شرق صيدا ومنطقة جزين، عنوانًا رعويًا للوقوف على أوضاع الأهالي والنازحين، وقد جاءت الثانية في غضون أسبوع واحد بعد زيارته إلى قرى الحافة الأمامية في الجنوب لدعم صمود الأهالي الذين رفضوا النزوح وأصرّوا على البقاء في بلداتهم.
ولكن هذه الزيارة الرعوية التي رافقه فيها السفير البابوي في لبنان المطران باولو بورجيا ووفد كنسي، إلى جانب هيئات الإغاثة الكنسية، لم تخلُ من الرسائل والمواقف السياسية في زمن الحرب الإسرائيلية على "حزب اللّه" من جهة وخاصة بعد التوصّل إلى اتفاق وقف إطلاق النار مع إسرائيل من جهة أخرى، حيث دعا إلى طيّ صفحة الحرب وحمل السلام.
وقد استهلّ البطريرك زيارته من كنيسة مار جرجس – القريّة، ثمّ انتقل إلى المركز الزراعي لفرسان مالطا – كفرفالوس ومنه إلى دير مار بطرس وبولس – قطين حيث اطّلع على أحوال النازحين، قبل أن يترأس القداس الإلهي في كنيسة مار مارون – جزين ويلتقي الأهالي ويزور مستشفى جزين الحكومي ويبارك البناء الجديد لمركز كاريتاس في جزين.
وفي كنيسة مار مارون – جزين، وبعد استقبالٍ شعبيّ وسياسيّ وأمنيّ، ترأس البطريرك الراعي قداسًا عاونه فيه لفيف من المطارنة والكهنة، في حضور وزير الاتصالات شارل الحاج، ووزراء ونواب حاليين وسابقين وحشد من الفاعليات والمؤمنين.
وألقى عظة تناول الوصيّة الأخيرة التي تركها السيد المسيح لتلاميذه "أنا معكم طوال الأيام إلى نهاية العالم"، معتبرًا أن هذا النصّ ليس مجرّد كلمات وداع، بل هو عهد حضور دائم، حضور حيّ وفعلي، حضور محبة وسلام، يرافق الكنيسة والإنسان في كل زمان ومكان".
وتوقف عند مشهد عودة النازحين إلى قراهم، موضحًا أن "التأخير في الوصول إلى جزين كان سببه هذا المشهد المؤثر، حيث عاد الناس إلى بيوتهم المهدّمة، حاملين فرشهم على أكتافهم، عائدين إلى بيوتهم، إلى أرضهم". وقال: "هذا المنظر يدمي القلب، لأن الإنسان يُجبر على العودة إلى الخراب، لكنه في الوقت عينه يفتح باب الرجاء، لأنه يعبّر عن تعلّق الإنسان بأرضه، وعن إيمانه بأن الحياة أقوى من الدمار". وشدّد على أن "كل شبر من لبنان هو مساحة حياة وانتماء، وأن الإنسان لا يستطيع أن يعيش بعيدًا من أرضه، لأنها جزء من هويته ووجوده". وأكّد أن "السلام ليس خيارًا ثانويًا، بل ضرورة وجودية، لأن من دونه لا يمكن للإنسان أن يعيش بكرامة".
وتساءل: "لماذا الحرب؟ هل ربحت أيّ حرب شيئًا؟"، مؤكدًا أن "كلّ حرب هي خسارة، وأن الرابح فيها هو في الحقيقة خاسر، لأنها تدمّر الإنسان قبل الحجر، وتزرع العداوة بدل المحبّة. الحرب لا تصنع مستقبلًا، بل تهدم الحاضر وتسرق الغد"، داعيًا إلى "رفض منطق العنف والتمسّك بمنطق الحوار".
وشدّد على أن "اللبنانيين تعبوا من الحروب، من القتل والدمار، ومن رؤية شبابهم يهاجرون، ويضيع تعب العمر سدى، لأن قنبلة واحدة قادرة على تدمير ما بُني في سنوات طويلة". واعتبر أن "الحرب ليست مرجلة، بل إن المرجلة الحقيقية هي في امتلاك العقل والحكمة، وفي القدرة على الحوار والتفاهم".
وأوضح أن "اللّه نفسه لم يتعامل مع الإنسان بالعنف، بل بالحوار، إذ كلّمنا منذ القديم بأنواع وطرق شتى، وبلغ هذا الحوار كماله في يسوع المسيح، الذي جاء ليعلن المحبّة لا العنف، والغفران لا الانتقام". وشدّد على أنه "عيب علينا ألّا نتفاوض"، لأن الكرامة الحقيقية هي في الجلوس إلى طاولة الحوار من الند إلى الند، والبحث عن حلول تحفظ كرامة الجميع". وأشار إلى أن "هذه هي إرادة المسيح الذي قال: "كما أرسلني أبي أنا أرسلكم... اذهبوا وتلمذوا"، أي أن الرسالة المسيحية هي رسالة سلام، ورسالة لقاء، ورسالة بناء، لا رسالة صراع وانقسام.
وأكد الراعي أن "لبنان هو بلد الشهادة، بلد الرسالة، وأن ما يميّزه هو هذا التنوّع الذي يشكّل غنى لا ضعفًا"، قائلًا: "إن اللبنانيين، على اختلاف انتماءاتهم، يشكّلون معًا لوحة فسيفساء جميلة، وهذا ما عبّر عنه البابا يوحنا بولس الثاني عندما وصف لبنان بأنه "أكثر من وطن، إنّه رسالة"".
ودعا إلى "الصلاة كي تستمرّ الهدنة وتتحوّل إلى سلام دائم"، قائلًا:" إن السلام هو عظمة الإنسان، بينما الحرب هي ضعف الإنسان". وأكد أن "البطل الحقيقي ليس من يخوض الحروب، بل من يبني السلام، ومن يعمل على جمع الناس لا تفريقهم".
وختم الراعي عظته برفع الصلاة إلى اللّه، طالبًا أن "يتقبّل هذه النية، وأن يفيض بنعمته على لبنان"، قائلًا: "نعدك يا رب أن نحمل محبّتك وسلامك إلى بيوتنا ووطننا، وأن نستمدّ منك النور لننقله إلى العالم"، داعيًا الجميع إلى أن يكونوا" شهودًا لهذا السلام في حياتهم اليومية، ليبقى لبنان أرض رسالة، وأرض محبة، وأرض سلام".