إلسي الخوري

الحقيقة التي يحاولون إخفاءها بعد وقف النار

3 دقائق للقراءة

ليست المرة الأولى التي يُعلن فيها «حزب الله» الانتصار عند نهاية مواجهة عسكرية. الجديد هذه المرة، أن الوقائع جاءت أكثر صلابة من أن تُخفى خلف خطاب تعبوي، وأكثر وضوحًا من أن تُعاد صياغتها بما يناسب رواية جاهزة.

منذ وقف إطلاق النار، يتكرّس مشهد مختلف في لبنان. ليس لأن الحرب انتهت فحسب، بل لأن نتائجها كشفت حدود القوة الفعلية للحزب، وفتحت الباب أمام تحوّل تدريجي في ميزان القرار داخل الدولة.

الوقائع، كما عكستها تقارير وتحليلات صادرة عن جهات دولية بينها هيومن رايتس ووتش، تشير إلى خسائر نوعية على مستوى القيادة والبنية التنظيمية. هذه ليست تفصيلاً عابرًا، بل عنصرًا مفصليًا في أي تقييم استراتيجي. فالتنظيم الذي يتعرّض رأسه للضرب، يفقد تلقائيًا جزءًا من قدرته على المبادرة والقرار.

وعلى المستوى البشري، لا يمكن تجاهل حجم الاستنزاف الذي تحدّثت عنه وسائل إعلام عربية ودولية. قد تبقى الأرقام موضع نقاش، لكن الثابت أن الكلفة كانت مرتفعة، وأن البيئة الحاضنة بدأت تلامس ثقل هذه الخسائر.

أما في البعد الأمني، فقد كشفت هذه الجولة عن اختراقات عميقة طالت شبكات حساسة داخل الحزب. هذا التطور لا يضعف فقط الأداء الميداني، بل يضرب في صميم صورة “التنظيم المحصّن” التي شكّلت ركيزة أساسية في نفوذه.

ميدانيًا، فرضت المواجهة وقائع جديدة. لم يعد الجنوب مساحة مفتوحة لحسابات الحزب وحده، بل عاد إلى واجهة المشهد دور الدولة، عبر انتشار الجيش اللبناني وتكريس ترتيبات تحدّ من حرية الحركة. هذه ليست مجرد تفاصيل تقنية، بل مؤشرات على تبدّل تدريجي في من يمسك بالأرض… ومن يقرّر.

هنا تحديدًا، تبرز النقطة الأكثر دلالة: ما لم تحققه سنوات من الاشتباك السياسي الداخلي، بدأت ملامحه تظهر تحت ضغط الوقائع الدولية والإقليمية. الدبلوماسية اللبنانية، التي لطالما وُصفت بالضعف أو العجز، نجحت مدعومة بميزان القوى الجديد، في فرض حضور الدولة كمرجعية لا يمكن تجاوزها.

لا يعني ذلك أن الدولة استعادت كامل سيادتها دفعة واحدة، ولا أن نفوذ «حزب الله» انتهى. لكن ما تغيّر هو الاتجاه: من منطق الهيمنة الأحادية إلى منطق التوازن القسري، ومن قرار محتكر إلى قرار بات مضطرًا لأن يمر عبر مؤسسات الدولة.

هذا التحول، ولو كان تدريجيًا، يُسقط جوهر رواية “الانتصار”. لأن الانتصار، في تعريفه البسيط، هو فرض الشروط لا القبول بها، توسيع النفوذ لا تقليصه، وتعزيز السيطرة لا إعادة تقاسمها.

بعد وقف إطلاق النار، الصورة معكوسة:

خسائر في القيادة، استنزاف في العنصر البشري، اختراقات أمنية، وقيود ميدانية متزايدة. وفي المقابل، عودة تدريجية للدولة إلى موقع القرار.

من هنا، يصبح السؤال ليس ما إذا كان «حزب الله» قد انتصر، بل ما إذا كان لبنان بدأ، للمرة الأولى منذ سنوات، يخرج من معادلة اختزال قراره بيد طرف واحد.

الجواب لم يُحسم بعد. لكن المؤكد أن ما بعد هذه المواجهة ليس كما قبلها.

وأن أخطر ما يمكن فعله اليوم، هو الاستمرار في إنكار هذا التحوّل.

في النهاية، قد تنجح الخطابات في تأجيل الحقيقة، لكنها لا تستطيع تغييرها. ما بعد وقف إطلاق النار لم يكن لحظة انتصار كما يُروَّج، بل لحظة انكشاف: انكشاف حدود القوة، وانكشاف كلفة الخيارات، وانكشاف واقع لم يعد يحتمل التجميل.

لبنان اليوم أمام مفترق واضح: إما الاستمرار في تصديق الروايات المريحة، أو مواجهة الوقائع كما هي، بكل ما تحمله من تحوّلات تختصر ببساطة الحقيقة التي يحاولون إخفاءها:

سقط وهم النصر… وبدأت معركة استعادة الدولة.