بين صرير الأقلام وصرخات الجراح، نخطُّ هذه الكلمات لا لنرجم الغيب، بل لنقرأ في كتاب الواقع بمدادٍ من صدق. إن السؤال عن الانتصار اليوم ليس ترفاً فكرياً، بل هو مواجهة عارية مع الذات: هل يمكن اقناع بيئة حزب الله أنه لم ينتصر فعلاً؟ أم أننا نعيش "نصر الصواريخ" على حساب "روح الحياة"؟
تبدأ الإشكالية من الاستحضار السياسي لعقيدة "انتصار الدم على السيف"؛ تلك العقيدة التي ولدت في كربلاء كفعل احتجاج أخلاقي ووجودي ضد الظلم. تاريخياً وفقهياً، تعني هذه العقيدة أن التضحية بالدم تهدف إلى إحياء "القيمة" وحماية "الإنسان"، لكن المقاربة الحالية حولتها من "فعل تحرر" إلى "أداة استنزاف". لقد تم استغلال هذا المفهوم الفقهي العميق لتبرير تدمير الأوطان تحت ذريعة المظلومية، فصار الدم يُسفك لا لينتصر على السيف، بل ليغذي صراعات المحاور، مما أدى إلى قلب الميزان: بدلاً من أن يحمي الدمُ الترابَ، صار التراب (الوطن) يُقايض بالدم في مزاد السياسة الإقليمية.
1982 – 2000: من زلزال الوجود إلى النصر الأنقى
في العام 1982، كان الاجتياح الإسرائيلي زلزالاً وجودياً، نشأت المقاومة من ركامه وكان الانتصار حينها يعني مجرد "البقاء". في تلك المرحلة، كان المرجع السيد محمد حسين فضل الله يرسخ فكراً مقاوماً يربط بين الإيمان والتحرر، معتبراً أن قوة المقاومة تكمن في وعيها.
وفي العام 1996، انتقل الحزب إلى حالة الطرف المحاور دولياً عبر "تفاهم نيسان" الذي هندسه الرئيس الشهيد رفيق الحريري، ليشرعن المقاومة ضمن مظلة الدولة. أما في العام 2000، فهو "النصر الأنقى"؛ حيث هزم السيفُ السيفَ، وكان الدم وقوداً للتحرير لا ثمناً للبقاء السياسي، تجسيداً لرؤية الإمام محمد مهدي شمس الدين في "الاندماج الوطني" ورفض الانعزال.
العام 2006: تصدع الهيبة وكلفة "النصر الإلهي"
دخلت حرب العام 2006 التاريخ من بوابة الفشل الإسرائيلي (تقرير فينوغراد)، لكن كلفة النصر كانت بداية الانحدار نحو الاستنزاف. بجرأة السيد فضل الله، يجب تأمل الأرقام: 1200 شهيد، خمسة عشر ألف وحدة سكنية مدمرة، وخسائر بلغت 3.5 مليار دولار. كسر الحزب هيبة إسرائيل، لكنه بدأ يراكم "ديناً وطنياً" على كاهل الدولة، بينما استخلصت إسرائيل دروسها لتنتقل من حروب المدرعات إلى استراتيجية "الإبادة التكنولوجية" التي نراها اليوم.
وعند المقارنة بين 2006 واليوم، نجد فجوة مخيفة. في الحرب الممتدة من تاريخ الاسناد وحتى تاريخه، استهدفت إسرائيل "الدماغ" التنظيمي عبر اغتيال قيادات الصف الأول والثاني بخروقات تقنية غير مسبوقة. وعلى الصعيد الاقتصادي، انتقل لبنان من دولة ذات نظام مصرفي في العام 2006 إلى "دولة مفلسة" ومعزولة في العام 2026. إن النصر العسكري الذي يترك خلفه "صومالاً" بمتوسط دخل صفر، هو هزيمة حضارية بامتياز. اتبعت إسرائيل سياسة "الأرض المحروقة"، ملوثة التربة بالفوسفور ومحولة القرى الحدودية إلى مناطق غير قابلة للحياة، محققة بالتقنية ما عجزت عنه بالمواجهة المباشرة.
وعليه، حين يغيب العقل، نستحضر أرواح الكبار لنحاكم الواقع؛ فالسيد فضل الله كان يرفض "قدسية السلاح" إذا كانت على حساب كرامة الإنسان، والإمام شمس الدين حذر من تحويل الطائفة إلى "ثكنة عسكرية" خارجة عن سياق الدولة، والسيد هاني فحص كان يرى أن "الوردة في الجنوب أهم من المنصة". في العام 2026، السيف الإسرائيلي لم يكسر الإرادة القتالية، لكنه مزّق النسيج الاجتماعي، وحول بيئة المقاومة من "كتلة منتجة" إلى "بيئة لاجئة" تعيش على المساعدات.
لقد ثبت أن لبنان في العام 2026، هو الساحة التي تُدفع فيها الفواتير الإقليمية. حققت إيران مكاسب استراتيجية كلاعب إقليمي، بينما خسر لبنان سيادته وتوازنه الديمغرافي. الأرقام تتحدث عن تهجير مليون ونص إنسان وتدمير 40% من ثروة الزيتون، في ظل تكلفة إعادة إعمار تتجاوز ثلاثين مليار دولار؛ مبالغ لا تتوفر في ظل عزلة دولية خانقة.
الخلاصة الجريئة هي أن حزب الله نجح في الصمود العسكري ومنع الاستسلام المذل، لكن بالمعايير الشاملة، يواجه لبنان هزيمة وجودية. إن "انتصار الدم على السيف" في الفقه الشيعي الأصيل هو انتصار "القيم على التوحش"، وليس انتصار "الموت على الحياة". المقاربة الحالية استغلت هذا المفهوم وحولته إلى "صك مفتوح" للاستنزاف الدائم، متجاهلة أن كربلاء كانت تهدف للإصلاح في أمة الجد، وليس لهدم ما تبقى من مداميك الأوطان.
إن الانتصار الحقيقي ليس في عدد الصواريخ التي تصل لتل أبيب، بل في عدد الأطفال الذين يملكون مستقبلاً لا رعباً. إننا بحاجة إلى نصر "يشبه الإنسان"، يعيدنا إلى كنف الدولة والسيادة، لا نصر يراكم الأنقاض لنتفرج عليها من خيم النزوح. لقد انتصر الدم في إثبات المظلومية، لكن السيف الإسرائيلي نجح في ذبح أحلام جيل كامل بصناعة وطن مستقر. الجرأة اليوم تقتضي أن نقول كفى انتصارات تُبنى على ركام الأوطان، ولنبدأ بـ "انتصار الحياة" الذي نادى به فضل الله وشمس الدين وفحص؛ الانتصار الذي يجعل من لبنان وطناً نهائياً لأبنائه، لا ساحة بريد لمحاور الأرض.