شارل إدوارد سركيس

لغة الحرب غير المتكافئة

من جياب وكيسنجر إلى لبنان في قبضة "حزب الله"

16 دقيقة للقراءة

ثمة أسئلة ملحة تطرح على كل دارس لتاريخ الحروب الحديثة: لماذا تخسر الجيوش الأقوى عسكريًّا أمام ميليشيات وحركات تمرد بالغة الضعف نسبيًّا؟ ولماذا يتحوّل الانتصار التكتيكي المتكرر إلى هزيمة استراتيجية مدمِّرة؟ وكيف يستطيع طرف أن يُعلن النصر بعد سنوات من الخسائر المتواصلة؟ الإجابة تكمن في مفهوم واحد حاسم: الرؤية. هذا المقال يستكشف منطق الحرب غير المتكافئة من خلال ثلاث مقاربات:

حكمة الجنرال جياب، نظرية كيسنجر، وتجربة "حزب الله" في لبنان.

أولاً: مفارقة جياب — خسارة كل معركة وكسب الحرب

في تاريخ الحروب الحديثة، قلّما صاغ قائد عسكري رؤيته في عبارة بلغت من الدقة والعمق ما بلغته الكلمات التي أطلقها الجنرال ڤو نغوين جياب، قائد الڤيتكونغ الذي حقق انتصار ديان بيان فو عام 1954وأجبر فرنسا على مغادرة فيتنام، ثم قاد الكفاح حتى توحيد البلاد عام 1975. 1

«انتقلنا من هزيمة تكتيكية إلى هزيمة تكتيكية حتى بلغنا النصر الاستراتيجي — لأننا كنا نمتلك رؤية. أما الفرنسيون فقد انتقلوا من انتصار تكتيكي إلى انتصار تكتيكي حتى مُنيوا بهزيمة استراتيجية — لأنه لم يكن لديهم أي رؤية.» — الجنرال ڤو نغوين جياب

هذه العبارة ليست مجرد تعليق على معركة بعينها؛ إنها مفتاح يفتح بابًا إلى فهم مختلف كلياً لطبيعة الحرب، فهو بجوهره بسيط لكنه بالغ الأثر: الجيش النظامي يقيس تقدمه بالانتصارات التكتيكية المتراكمة، أما المقاتل غير النظامي فيقيس تقدمه بشيء واحد فقط — البقاء. والبقاء وحده، حين يقترن برؤية واضحة للغاية النهائية، يكفي لتحقيق النصر الاستراتيجي. الجيش الفرنسي انتصر في معظم معاركه في فيتنام، ومع ذلك خسر الحرب. أما الڤيتكونغ فقد تكبّدوا هزائم متتالية في البداية، ومع ذلك ربحوا في نهاية المطاف.2

ما أدركه جياب، وما أخفق القادة الفرنسيون في فهمه، هو أن الحرب — كما صاغها كلاوزفيتز في تعريفه الخالد — ليست سباق تسلح ولا منافسة عسكرية بالمعنى الضيق؛ بل هي امتداد للسياسة بوسائل أخرى.3 الانتصار التكتيكي لا قيمة له إن لم يقترن بهدف سياسي واضح، وحين يكون هدف الخصم ليس الانتصار العسكري بل إنهاك إرادة القوة الكبرى وإغراقها في مستنقع لا مخرج منه، فإن كل انتصار تكتيكي يصبح عبئًا إضافيًا لا رصيدًا. كل انتصار فرنسي في معركة كان يعني مزيدًا من الجنود والنفقات، من دون أن تقترب البلاد خطوة واحدة من السلام. كان كل «انتصار» بذرة هزيمة أعمق.

كلمة «الرؤية» عند جياب تحمل معنى أعمق بكثير مما قد يوحي به ظاهرها. الرؤية ليست مجرد هدف بعيد؛ إنها فهم شامل لطبيعة الصراع في أبعاده السياسية والنفسية والزمنية معًا، لا في بعده العسكري وحده. أدرك الڤيتكونغ مبكرًا أنهم يخوضون حرب إرادات لا حرب ذخائر، وأدركوا أن الزمن سلاح يعمل لصالحهم، وأن الضغط على الرأي العام الفرنسي، والأميركي لاحقًا، هو ساحة معركة لا تقل أهمية عن غابات الجنوب أو جبال الشمال. وأن الشعب ليس مجرد بيئة يتحركون فيها، بل هو بحسب الصياغة الماوية الشهيرة "الماء الذي يسبح فيه سمك المقاتل".4


ثانيًا: نظرية كيسنجر - المنطق البنيوي للصراع غير المتكافئ

في كانون 1969، نشر هنري كيسنجر في مجلة "فورين أفيرز" مقاله الشهير «مفاوضات فيتنام» قُبيل توليه منصب مستشار الأمن القومي لدى الرئيس نيكسون. كان المقال تشخيصًا باردًا ودقيقًا للهزيمة الأمريكية المقبلة: «لقد خضنا حربًا عسكرية، في حين خاض خصومنا حربًا سياسية. سعينا إلى استنزافهم ماديًا، وسعوا هم إلى إنهاكنا نفسيًا.»5 لم يكن كيسنجر يوجّه اتهامًا أخلاقيًا للاستراتيجية الأميركية؛ بل كان يضع إصبعه على الجرح: ثمة تنافر بنيوي عميق بين طبيعة هذا النوع من الحروب والأدوات التقليدية التي تعتمد عليها القوى الكبرى لخوضها.

من هذا التشخيص اشتقّ كيسنجر صياغته التي باتت مرجعًا لكل دارس للحروب غير المتكافئة: «يربح المقاتل غير النظامي إذا لم يُهزم. أما الجيش النظامي فيخسر إذا لم ينتصر.»6 وراء بساطة هذه العبارة تكمن حقيقة بنيوية عميقة: الجيش النظامي يُحاسَب على النتائج، وكل يوم من دون انتصار حاسم هو يوم يُضاف إلى فاتورة الفشل السياسي. أما المقاتل غير النظامي فلا يُحاسَب إلا على شيء واحد: الاستمرار في الوجود. الجيش النظامي مُلزَم بإثبات أنه انتصر؛ بينما يكفي المقاتل غير النظامي ألا يقضى عليه.


ثالثًا: ماو وغيفارا وبنيان الحرب الشعبية

لم يصغ جياب ولا كيسنجر أفكارهما من فراغ. كلاهما استند إلى تراث نظري عسكري تراكم على مدى قرنين، بدءًا من حروب نابليون في إسبانيا التي أدخلت المقاومة الشعبية إلى معجم الصراع المنظم. أبرز من أسهم في بناء هذا التراث ماو تسي تونغ وإرنستو غيفارا، وهما شخصيتان يبقى إرثهما السياسي موضع جدل، لكن إسهامهما في نظرية الحرب غير النظامية راسخ وأساسي.

وضع ماو تسي تونغ في كتابه «في الحرب الطويلة الأمد» (1938)، الذي ألّفه إبان الاحتلال الياباني للصين، نموذجًا ثلاثي المراحل ألهم جياب مباشرة: مرحلة الدفاع الاستراتيجي حين يتجنب المقاتل الاشتباك الحاسم ويبني قاعدته الشعبية؛ ثم مرحلة التوازن حين يبدأ الاستنزاف في تحويل الميزان؛ وأخيرًا مرحلة الهجوم حين يتحول المقاتل المُعزَّز إلى الضربة الحاسمة.7 الفكرة الجوهرية عند ماو هي أن الزمن ليس خلفية محايدة للصراع بل سلاح بيد الأضعف: إذا صمد ولم يتورط في معارك يخسرها، فإن الزمن يعمل لصالحه ويُفقد الخصم الأقوى مبرر استمراره في الحرب.

أضاف غيفارا في «حرب العصابات» (1960) بُعدَين غاب عن ماو التركيز عليهما: الجغرافيا والمجتمع.8 فالتضاريس عند غيفارا ليست مجرد ملاذ للمقاتل، بل سلاح في حد ذاتها؛ فالجبال والغابات والأحياء الشعبية كلها بيئات يمكن تحويلها إلى ميادين تفيد الأضعف وتُرهق الأقوى. والأهم من ذلك رؤيته لعلاقة المقاتل بشعبه: لا بد أن يكون المقاتل جزءاً من النسيج الاجتماعي بحيث يتعذر على العدو تمييزه، وأن تُقدم الثورة خدمات حقيقية للناس كي تكسب ولاءهم لا خوفهم فقط. هذه الرؤية تحديداً هي ما جسّده حزب الله لاحقاً في جنوب لبنان بصورة احترافية.

«المقاتل هو طليعة الشعب المسلحة. قوته لا تنبع من سلاحه بل من جذوره في الشعب الذي يخدمه والذي لا يمكن انتزاعه منه دون أن يفقد مبرر وجوده.» — إرنستو «تشي» غيفارا، حرب العصابات، 1960

من تلاقي هذه الروافد، صبر جياب الاستراتيجي، ونظرية ماو المرحلية، وتجذير غيفارا الاجتماعي، وتحليل كيسنجر البنيوي، تتشكل خريطة متكاملة لمنطق الحرب غير المتكافئة، وهذه الخريطة ذاتها انتقلت من حقول الأرز الفيتنامية وجبال كوبا إلى أودية الزيتون وشبكات الأنفاق في جنوب لبنان، حيث طبّقها حزب الله بمهارة عالية.


رابعًا: التطبيق اللبناني — نقل القواعد إلى ميدان مختلف

1-4 الجغرافيا سلاحًا استراتيجيًا

تُمثّل قرى وتلال جنوب لبنان من بنت جبيل إلى مارون الراس، ومن الخيام إلى ميس الجبل في المنظور العملياتي لـ"حزب الله" ما مثّلته جبال تروونغ سون بالنسبة للڤيتكونغ: ليست مجرد ملاذ جغرافي بل سلاح استراتيجي حقيقي. شبكات الأنفاق الممتدة تحت مجتمعات الحدود، والتي وصفها مراقبون عسكريون غربيون بأنها تفوق شبكة كو تشي للڤيتكونغ في مستوى التعقيد التقني،9 لم تُشيَّد بهدف تحقيق اختراق عسكري، بل صُمِّمت لضمان شرط واحد: القدرة على امتصاص العقاب والاستمرار في العمل، وحرمان الخصم من النصر العسكري النظيف الذي يطالب به نظامه السياسي.

لاحظ كيسنجر نفسه في «سنوات البيت الأبيض» أن الفيتناميين الشماليين كانوا يستخدمون قواتهم «كما يستخدم مصارع الثيران عباءته: ليبقوا خصمهم يندفع في مناطق ذات أهمية سياسية هامشية.»10 في لبنان، أعاد "حزب الله" إنتاج هذا المنطق مُضيفًا إليه بُعدًا مدنيًا محسوبًا: دمج بنيته العسكرية في الأحياء السكنية للمجتمعات التي يُقدّم لها خدمات اجتماعية و في الوقت نفسه، أنشأ بيئة تكتيكية تجعل أي ضربة إسرائيلية مُرشَّحة لإيقاع ضحايا مدنيين، وهذه الضحايا تُحوَّل بدورها إلى وقود لسردية «الصمود»، تمامًا كما كانت خسائر الڤيتكونغ تُعزز سردية المقاومة في وجدان الشعب الفيتنامي.


2-4 حرب تموز 2006: النصر عبر عدم الهزيمة

تمثّل حرب الثلاثة والثلاثين يومًا في تموز-آب 2006 التجسيدَ الأوضح لصياغة جياب-كيسنجر في فترة ما بعد الحرب الباردة. دخلت إسرائيل الصراع حاملةً أهدافًا محددة: استعادة جنودها الأسرى، وتدمير ترسانة الصواريخ، واستعادة الردع.11 هذه بالضبط هي الأهداف التي تجعل الجيش النظامي في موقع هشّ: إنها قابلة للقياس وبالتالي قابلة للفشل، ومكلفة وبالتالي تستدعي نتائج حاسمة، وتفترض خصمًا يستطيع الاستسلام وهو ما لا يفعله المقاتل غير النظامي.

لم يسع "حزب الله" سوى إلى شيئ واحد: ألا يُدمَّر. على مدى ثلاثة وثلاثين يومًا نفّذت الطائرات الإسرائيلية أكثر من خمسة عشر ألف طلعة جوية، مُلحِقةً دمارًا فادحًا بالبنية التحتية اللبنانية ومُجبِرةً نحو مليون لبناني على النزوح.12 استمر "حزب الله" في إطلاق صواريخه على حيفا وشمال إسرائيل حتى اللحظة التي دخل فيها وقف إطلاق النار حيز التنفيذ وكان إعلانه «النصر الإلهي»، وفق المقياس الوحيد ذو المعنى في الصراع غير المتكافئ، دقيقًا: لم يُدمَّر، وفي هذه الحقيقة المتبقية تكمن كامل مكاسبه الاستراتيجية.

3-4 دورة الاستنزاف 2023– 2024: الصياغة ذاتها بأدوات متطورة

أعادت دورة التصعيد التي أعقبت هجمات السابع من أكتوبر 2023 وافتتاح "حزب الله" جبهة الإسناد إنتاجَ المعادلة نفسها بأدوات مُحدَّثة: صواريخ مضادة للدروع دقيقة التوجيه، وذخائر مسيَّرة جوالة، ومنظومات رصد متطورة.13 أثبت الحساب الاقتصادي لهذا الاستنزاف دقة الديناميكيةَ التي وصفها كيسنجر نظريًا: تكبّدت إسرائيل خسائر اقتصادية يومية تُقدَّر بنحو مئة مليون دولار جراء إخلاء مستوطنات الشمال وشلل الحياة الاقتصادية في الجليل،14 بينما تحمّل "حزب الله" هذه التكاليف من تحويلات مالية إيرانية لا يدفع ثمنها اقتصاده المحلي. كل يوم استنزاف يُكلِّف الحكومةً الإسرائيلية غاليًا أمام ناخبيها، بينما هو مكسب إضافي لمنظمة تُحوّل التحمّل إلى عملة «الصمود».


خامسًا: التباعد الجوهري — الرؤية التي تبني مقابل الرؤية التي تُهلك

كانت رؤية جياب الاستراتيجية مهما بلغت كلفتها البشرية من هول، إذ أودت بحياة ما يُقدَّر بثلاثة ملايين فيتنامي موجَّهةً نحو هدف واضح تحقق في نهاية المطاف: طرد القوات الأجنبية وتوحيد فيتنام تحت سلطة سيادية واحدة.15 كانت الوسائل قاسية بلا شك، لكن الغاية بقيت واضحة ومتناسبة: إقامة دولة وطنية مستقلة على أرض محررة. حين يتحدث جياب عن النصر الاستراتيجي فهو يعني شيئًا ملموسًا: دولة قائمة بمؤسساتها وسيادتها وشعب حر لا يخضع لسلطة أجنبية.

أما «رؤية» حزب الله فلا تُنتج دولة؛ بل تستهلك دولة. الأهداف المعلنة: «تحرير فلسطين» و«الدفاع عن لبنان» لا تربطها أي علاقة سببية معقولة بالوسائل المنتهجة ضد الدولة اللبنانية: الاستنزاف المنهجي لاقتصادها، وإدامة شلل مؤسساتها، وإخضاع سيادتها للتوجيه الإيراني.16 وهنا يظهر الفارق الجوهري: صمود جياب التكتيكي كان في خدمة البناء الوطني؛ أما صمود "حزب الله" فهو في خدمة بقاء التنظيم. «الرؤية» انقلبت: لم تعد رؤية لما سيُبنى، بل لما يجب ألا يقوم — الدولة اللبنانية السيادية القادرة على احتكار السلاح الشرعي.

كان كيسنجر قد حذّر من خطر «فقدان الإحساس بالتناسب بين الغايات والوسائل.»17 في حالة "حزب الله"، لم يُفقَد هذا التناسب تدريجيًا بل انتفى أصلًا. تدمير الاقتصاد اللبناني، وإغراق البلاد في حروب لا تنتهي، وتحويل أراضيها إلى مسرح لصراعات إيرانية-إسرائيلية، كل هذا لم يعد وسيلة لغاية، بل غدا الغاية بحد نفسها : إبقاء الميليشيا قائمة ومهيمنة، وإبقاء الدولة اللبنانية عاجزة.


سادسًا: حرب شباط 2026 — الكشف النهائي

شكّل اندلاع الأعمال العسكرية المباشرة بين إسرائيل وإيران في الثامن والعشرين من شباط 2026 ودخول "حزب الله" فورًا بدعم عسكري نشط لطهران، مع ادعائه في الوقت عينه أنه يقاتل دفاعًا عن لبنان، الكشفَ النهائي للفارق بين نموذج جياب ونسخته اللبنانية. قاتل جياب من أجل فيتنام، بموارد فيتنامية، لغايات فيتنامية ، أما "حزب الله" فيقاتل من أجل إيران، بموارد إيرانية، لغايات إيرانية  ويُحيل الفاتورة إلى لبنان.

تحمّل جياب هزيمةً تكتيكية إثر هزيمة لأنه كان يمتلك رؤية، والرؤية كانت فيتنام. يتحمّل "حزب الله" هزيمةً تكتيكية إثر هزيمة لكن الرؤية ليست لبنان، إنها إيران. لبنان ليس المستفيد من هذه الاستراتيجية؛ بل هو ضحيتها. — تحليل الكاتب

انتهاك وقف إطلاق النار الموقع في السابع والعشرين من تشرين الثاني 2024 وعدم تطبيق أحكام القرار 1701طوال عقدين من الزمن ،20 والانخراط في حرب إيران-إسرائيل ثلاثة شواهد تقود إلى خلاصة واحدة: يعرف "حزب الله" كيف لا يهزم، لكنه نسي، إن كان يعلم أصلاً، لماذا يقود عادة الانتصار.


سابعًا: خاتمة — الرؤية وحدها لا تكفي؛ يجب أن تكون عادلة أيضًا

تبقى صياغة الجنرال جياب، بعد أكثر من نصف قرن، أبلغ تلخيص لأسباب الفوز والخسارة في الحروب غير المتكافئة. الرؤية، الفهم الشامل لطبيعة الصراع، والتناسب بين الوسائل والغايات، والقدرة على الصمود عبر مواسم الانتكاسات هي المتغير الحاسم. من دونها، يصبح التفوق التكتيكي عملة لا تشتري شيئًا دائمًا ومعها يصبح النقص التكتيكي عقبة يتجاوزها الزمن والتحمّل.

الا أن صياغة جياب تنطوي على شرط ضمني أساسي غائب في الحالة اللبنانية: أن تكون الرؤية في خدمة مصلحة وطنية حقيقية، وأن يكون الشعب الذي يتحمل ثمن الصراع هو المستفيد النهائي من نجاحه. عانى الفيتناميون المدنيون كثيرًا، لكنهم عانوا من أجل سيادتهم الوطنية. أما اللبنانيون فمعاناتهم لا تخدم سيادتهم؛ تخدم بقاء ميليشيا مسلحة هي أداة في يد قوة إقليمية أجنبية ،21 وما يُقدمه "حزب الله" باسم "المقاومة" هو في الحقيقة حرمان دائم للدولة اللبنانية من أن تكون ما جعلت استراتيجية جياب من فيتنام: دولة سيادية تُقرر مصيرها بنفسها.

الدرس الحقيقي للحرب غير المتكافئة ليس عسكريًا وحسب؛ إنه دستوري. الأنظمة التي تُتيح لميليشيا مسلحة توظيف منطق جياب ضد الدولة التي تدّعي الانتماء إليها لا تعاني من قصور أمني فحسب، بل من خلل دستوري جذري يستدعي علاجًا دستوريًا. المخرج من مأزق لبنان ليس استراتيجية أفضل لمكافحة التمرد، بل إعادة بناء عقد اجتماعي جديد  كونفدرالي في هيكله، وحازم في مسألة واحدة لا تقبل التفاوض: احتكار الدولة وحدها للسلاح الشرعي على كامل ترابها. بذلك فقط ،22 يصبح من المستحيل على أي طرف أن يُعيد توظيف قواعد جياب ضد الشعب الذي وُضعت أصلاً لتحريره.


الملحق: قائمة المراجع [١–٢٢]

أولاً: المؤلفات الاستراتيجية والأولية

[1] Currey, Cecil B. Victory at Any Cost: The Genius of Viet Nam's Gen. Vo Nguyen Giap. Washington, D.C.: Brassey's, 1997. — التوثيق الأوسع للسيرة الفكرية والعملياتية للجنرال جياب وأقواله المأثورة.

[2] Fall, Bernard B. Street Without Joy: The French Debacle in Indochina. Harrisburg, PA: Stackpole Books, 1961, pp. 310–330. See also: Karnow, Stanley. Vietnam: A History. New York: Viking, 1983, pp. 200–240.

[3] Clausewitz, Carl von. On War [Vom Kriege, 1832]. Translated by Michael Howard and Peter Paret. Princeton: Princeton University Press, 1984. Book I, Chapter 1, §24.

[4] Mao Tse-tung. On Protracted War [Lun chiu-chan chan-cheng, 1938]. Peking: Foreign Languages Press, 1967, pp. 92–100. — مصدر استعارة الماء والسمك في أدبيات حرب الشعب.

[5] Kissinger, Henry A. 'The Viet Nam Negotiations.' Foreign Affairs 48, no. 2 (January 1969): p. 214.

[6] Ibid., pp. 214–215.

[7] Mao Tse-tung. On Protracted War, pp. 55–90. — النموذج الثلاثي: الدفاع الاستراتيجي، التوازن، الهجوم.

[8] Guevara, Ernesto (Che). Guerrilla Warfare [La Guerra de Guerrillas, 1960]. Translated by J. P. Morray. New York: Monthly Review Press, 1961, pp. 18–30; 71–90.

ثانياً: الدراسات الأمنية والتقارير الميدانية

[9] Matthews, Matt M. We Were Caught Unprepared: The 2006 Hezbollah-Israeli War. Long War Series Occasional Paper 26. Fort Leavenworth: Combat Studies Institute Press, 2008, pp. 12–24. See also: Exum, Andrew. 'Hizballah at War: A Military Assessment.' Washington Institute for Near East Policy, Policy Focus No. 63, December 2006.

[10] Kissinger, Henry. White House Years. Boston: Little, Brown, 1979, p. 231.

[11] Biddle, Stephen, and Jeffrey A. Friedman. The 2006 Lebanon Campaign and the Future of Warfare. Carlisle: Strategic Studies Institute, 2008, pp. 5–12.

[12] Amnesty International. Lebanon: Deliberate Destruction or Collateral Damage? Israeli Attacks on Civilian Infrastructure. AI Index MDE 18/007/2006, August 23, 2006. See also: United Nations Human Rights Council. Report of the Commission of Inquiry on Lebanon. A/HRC/3/2, November 23, 2006.

[13] International Crisis Group. 'Hezbollah's Gaza Gambit.' Middle East Briefing No. 96, January 2024.

[14] Israel–Hezbollah Conflict: Economic Impact Assessment. Asharq Al-Awsat (English Edition), February 2026.

[15] Karnow, Stanley. Vietnam: A History. New York: Viking, 1983, pp. 660–670. See also: Hirschman, Charles, Samuel Preston, and Vu Manh Loi. 'Vietnamese Casualties During the American War.' Population and Development Review 21, no. 4 (December 1995): 783–812.

ثالثاً: الدراسات اللبنانية والإيرانية

[16] Ghaddar, Hanin. 'Obstacles to Dismantling Hezbollah's Grip on Power.' Washington Institute for Near East Policy, February 3, 2026. See also: Levitt, Matthew. Hezbollah: The Global Footprint of Lebanon's Party of God. Washington: Georgetown University Press, 2013.

[17] Kissinger, Henry. Ending the Vietnam War: A History of America's Involvement in and Extrication from the Vietnam War. New York: Simon & Schuster, 2003, p. 412.

[18] تقدير ميداني، الحزب الديمقراطي المسيحي — لبنان، نيسان ٢٠٢٦، استناداً إلى تقارير المصادر المفتوحة الموثّقة لاندلاع الأعمال العسكرية بين إسرائيل وإيران في ٢٨ شباط ٢٠٢٦.

[19] United States Department of State. Joint Statement on Lebanon Ceasefire. November 27, 2024. See also: UNSC press statement SC/15893.

[20] United Nations Security Council Resolution 1701 (2006), S/RES/1701, August 11, 2006. See also: Report of the Secretary-General on the Implementation of Resolution 1701 (2006). S/2025/112, February 2025.

[21] Nasr, Vali. The Shia Revival. New York: W. W. Norton, 2006, pp. 109–130. See also: Picard, Elizabeth. Liban: État de discorde. Paris: Flammarion, 1988.

[22] Sarkis, Charles Edward. Federal Constitution of Lebanon, Beirut: CDP Lebanon, 2026. See also: Pontifical Council for Justice and Peace. Compendium of the Social Doctrine of the Church. Vatican City: Libreria Editrice Vaticana, 2004. §§185–188.


رئيس الحزب الديمقراطي المسيحي — لبنان