بينما كانت دماء الجندي الأيرلندي الشاب "شون روني" لم تجف بعد، جاءت الأحكام الصادرة عن المحكمة العسكرية لتكشف عن استنسابية القضاء، وتشرع الباب للتساؤلات المشروعة، هل استسهل "الأوباش" تكرار فعلتهم واستهداف الجندي الفرنسي مؤخرًا لأنهم أدركوا أن سقف المحاسبة في لبنان مجرّد غرامة مالية أو إخلاء سبيل لأنهم ينتمون لطرف بعينه؟
الحقيقة المرة تبدأ من المتهم الرئيسي في القضية، محمد عياد، الذي أطلق النار بدم بارد على الجندي الإيرلندي بقصد القتل، لم يعد اليوم خلف القضبان، والسبب؟ قرار مفاجئ بصبغة إنسانية زائفة وقعه رئيس المحكمة العسكرية الدائمة العميد الركن خليل جابر، وبموافقة من مفوض الحكومة بالإنابة القاضي فادي عقيقي، تحت مسمى "المرض العضال"، خرج عياد من سجنه بكفالة مالية بلغت مليار و200 مليون ليرة. وبطبيعة الحال، بمجرد خروجه الممنهج من القفص أطلق لجناحيه العنان، "طار" وتوارى عن الأنظار حتى تاريخ كتابة هذا المقال.
مما شكل إهانة للعدل والقضاء، كما لعائلة 'روني' وللحكومة الأيرلندية التي لم تستسغ هذا "الإخراج" القضائي.
لكن المهزلة لم تقف عند هذا الحد، فالشركاء الذين ساهموا في الاعتداء نالوا أحكامًا يمكن وصفها بـذر الرماد في العيون، علي سليمان سُجن لثلاثة أشهر، وعلي خليفة لشهر واحد فقط، بينما اكتفت المحكمة بفرض غرامات مادية على البقية أو تبرئتهم لعدم كفاية الأدلة.
وهنا نسأل: أي رسالة يرسلها القضاء العسكري لعياد وأمثاله ممن يسترخصون دماء الأبرياء؟ الرسالة واضحة: اقتل جنديًا دوليًا، وستجد ديباجة للخروج بكفالة لتتمكن من الهروب، أو حكمًا مخففًا ينتظرك.
إن الربط بين ما جرى في قضية شون روني واستهداف الجندي الفرنسي، ليس تحليلاً ولا محض صدفة، بل هو نتيجة حتمية لإستنسابية تطبيق القانون.
المجرم، أي مجرم حين يرى القاتل الأول طليقاً بقرار قضائي لن يتردد من القيام بالمثل.
لقد تحول الجنوب بسبب بعض القضاة، إلى ساحة
مستباحة لإيصال رسائل سياسية وأمنية بدماء الأبرياء.
المطلوب اليوم ليس مجرد استنكار رسمي، بل ثورة في وجه نهج المحكمة العسكرية، وسيفها المسلط على رقاب بعض العباد، والمتسامح مع البعض الآخر.
وإلا فإن حياة كل جندي دولي على أرضنا على المحك، ينتظر قرار إخلاء سبيل قاتله قبل أن يُدفن.