فراس العريضي

الخيار الثالث: فخامة الرئيس: هل نريد تسلُّحاً للجيش، أم مجرد تسليح؟

4 دقائق للقراءة

في الجزء الأول، طرحنا مفهوم "عقيدة الخيار الثالث" كضرورة وجودية لانتشال المؤسسة العسكرية من دوامة التجاذبات. اليوم، ننتقل إلى المربع الأخطر: كيف نموّل تسليح هذا الجيش؟ وكيف نتحرر من معادلة "السلاح مقابل الارتهان"؟

التسليح كفعلٍ سيادي لا "صدقة" جارية

لقد آن الأوان يا فخامة الرئيس لتحطيم المفهوم السائد بأن تسلح الجيش هو عبارة عن تسليح بمعايير خارجية على شكل "هبات" ننتظرها بامتنان من هذه العاصمة أو تلك. إن عقيدة التسلح في "الخيار الثالث" تنطلق من مبدأ أن امتلاك القوة هو قرار وطني محض. إن الاعتماد الكلي على المساعدات المشروطة لم يبنِ يوماً جيشاً قادراً على حسم الاستقرار، بل أنتج هيكلية عسكرية "مُقيدة" تخضع لمزاج المانحين وتوازناتهم الإقليمية.

تحطيم "فيتو" التمويل: هندسة الحلول الجريئة.

وهنا نصل إلى العقدة الكبرى: من أين نأتي بالمال في ظل الانهيار القائم؟ إن الإجابة التقليدية هي "الانتظار"، لكن في علم الاستراتيجية، الانتظار في ظل التهديد هو انتحار مقنّع. لذلك، يتطلب هذا المشروع الجريء الخروج من عباءة البيروقراطية المالية التي كبلت المؤسسة العسكرية لسنوات، والاعتماد على آليات تمويل بديلة تتسم بالمرونة والسرعة. عندما يصبح أمن الكيان في خطر، تصبح المبادرات المالية المبتكرة —بعيداً عن تعقيدات الموازنات المشلولة— واجباً وطنياً لضمان تدفق العتاد النوعي، عبر مسارات سيادية تضمن وصول السلاح دون الدخول في مقايضات سياسية تحت الطاولة، وبعيداً عن أعين الواشين المتضررين.

المشكلة لم تكن يوماً في المال، بل في "وعاء" المال.

إن تشكيل "هيئة وطنية مصغرة ومستقلة" مرتبطة برئاسة الجمهورية مباشرة، وبعيدة عن انظار القوى السياسية، مهمتها دعم القدرات الدفاعية، من خلال إنشاء شبكة تمويل عابرة للقارات لا تتحرك بأوامر سياسية، بل بمهمة واحدة: "تأمين التفوق التقني للجيش". تتخذ هذه الهيئة من أموال المغتربين غطاءً، وتستفيد من مرونة الحقائب الدبلوماسية، والثغرات في النظام المالي الدولي، وتستغل الموارد الداخلية غير المنظورة أو حتى المحظورة لتأمين التمويل اللازم.

فخامة الرئيس، من حقنا أن نستغل التناقضات الدولية وصراعات النفوذ —حتى بين الحلفاء— لتأمين السلاح، وفرض أمر واقع جديد يحرج الأصدقاء قبل الأعداء؛ فالصديق الذي يمنع عنك السلاح، يساهم في قتلك تماماً كعدوك. إن التاريخ لا يذكر من التزم بالقوانين الظالمة التي أدت لضياع وطنه، بل يذكر من "خرق القوانين ليحمي الوجود". الطريق وعر، والمخاطر كبيرة، ولكنها الطريق الوحيدة التي تجعل من قصر بعبدا مركزًا لصناعة القرار الوطني المستقل، في إطار من التوازن والانفتاح على مختلف العلاقات الدولية.

إننا لا نطرح مجرد "خطة تسلح"، بل نقترح ثورة في المفاهيم. السيادة تبدأ من "القدرة"، والقدرة تتطلب مالاً وسلاحاً وقراراً. إذا استمرينا في الرهان على "بيروقراطية العجز"، فإننا نسلم رقبة الوطن للسكين. "الخيار الثالث" هو خيار الأقوياء الذين يبتكرون حلولهم حين تعجز الأنظمة، ويصنعون جيشهم بأيديهم، وبتمويل يفرضه واقع الضرورة، لا استجداء الصدقات.

وليس هذا الطرح معزولاً عن تجارب دولٍ واجهت ضيق الموارد وشحّ التمويل الخارجي، فاضطرت إلى بناء قدراتها الدفاعية من داخل بنيتها الوطنية. فإثيوبيا، وبنغلاديش، وميانمار، وفق تصنيف Global Firepower Index، تقع تقريباً ضمن المراتب بين 35 و60 عالمياً، أي ضمن فئة الجيوش المتوسطة أو الناشئة، لكنها رغم ذلك طوّرت نماذج تمويل وتسليح أكثر استمرارية من خلال توظيف الموارد الداخلية أو تنويع مصادر التمويل والتسلح بعيداً عن الارتهان الكامل للمساعدات.

في المقابل، يأتي الجيش اللبناني في مرتبة متأخرة تتجاوز غالباً المئة عالمياً في التصنيف نفسه، ما يعكس فجوة لا تتعلق فقط بحجم الموارد، بل بغياب نموذج تمويل سيادي مستقر يضمن استمرارية التحديث. وعليه، فإن الدرس الأساسي ليس في الأرقام بحد ذاتها، بل في المعادلة: حتى الدول محدودة الهامش استطاعت تقليص الارتهان الخارجي حين قررت تحويل الأمن إلى أولوية ممولة داخلياً، بينما يبقى السؤال في الحالة اللبنانية حول جدوى استمرار نموذج التمويل المقيّد بشروط الخارج.

فخامة الرئيس، إن تأمين المال من "خارج الصندوق" هو كسر للقيد الأول، لكنه يبقى مجرد أرقام ما لم يجد طريقه إلى ترسانات تصنيع لا تخضع لإملاءات القوى التي تريدنا "حراساً لليأس". إن التحدي القادم لا يكمن فقط في كيفية الدفع، بل في "لمن ندفع؟" وكيف نختار مصادر سلاح لا تمنحنا العتاد بيد لتسلبنا القرار باليد الأخرى.

كيف نقتحم أسواق السلاح العالمية بحثاً عن "التكنولوجيا الرادعة" بعيداً عن المصادر التقليدية التي استنزفتنا بالوعود والفتات؟ وكيف نكسر "تابو" المصدر الواحد لنصل إلى مخازن النوعية؟

للحديث بقية عن: مصادر السلاح.. كسر الاحتكار واقتحام الأسواق المحرمة.