بعدما سرقت الحرب من الأطفال طمأنينتهم وفرحتهم، يحاول الفنان التشكيليّ عبد القادري فتح نافذة لهم على الأمل والتعبير، من خلال مبادرة إنسانيّة يُنظم عبرها جلسات رسم حرّة داخل مراكز الإيواء والمدارس التي تستقبل النازحين. من خلال أوراق كبيرة وألوان بسيطة، تتحوّل مشاعر الأطفال وأحلامهم إلى لوحات تعبّر عمّا تعجز الكلمات عن قوله، فيصبح الرسم مساحة شفاء وفرصة لاستعادة جزء من طفولة أنهكتها الحرب.
هي ليست المبادرة الأولى في مسيرة عبد القادري الذي يملك سجلًّا من التحرّكات الإنسانيّة التي رافقت أبرز الأزمات التي مرّ بها لبنان في السنوات الأخيرة. فبعد انفجار مرفأ بيروت عام 2020، سارع إلى إطلاق مبادرة فنيّة تحت عنوان "أودّ اليوم أن أكون شجرة" عقب تضرُّر معرضه في "غاليري تانيت"، وأسهم من خلالها في ترميم منازل خمسين عائلة متضرّرة. خلال حرب عام 2024 كرّر التجربة، فساهمت جداريّة مرسومة كبيرة في دعم أكثر من مئتَي أسرة نازحة.
أمّا المبادرة الحالية بحسب حديث القادري لـ "نداء الوطن"، فانطلقت من تأثر عميق طال وجدانه بعد مشاهدة الأطفال النازحين في الشوارع، في ظلّ معايشته هو أيضًا ظروف تنقُّل وعدم استقرار مع أسرته نتيجة الأوضاع الأمنية. الشهر الماضي ومع اقتراب عيد الفطر، شعر أن فرحة الأطفال تستحق أن تكون الأولوية، فبادر إلى شراء أدوات رسم وتلوين لمئة طفل ووزّعها على عدد من المدارس، لتتحوّل هذه الخطوة لاحقًا إلى مشروع فنيّ وإنسانيّ متكامل. ومنذ ذلك الحين، بدأ القادري بتنظيم ورَش رسم للأطفال النازحين، مانحًا إيّاهم مساحة للتعبير والفرح والأمل، على أن تتحوّل رسوماتهم لاحقًا إلى أعمال يعود ريعها لدعم عائلاتهم.
جهد فردي
المبادرة قائمة حتى اليوم بجهد فرديّ كامل من دون تعاون رسميّ أو مؤسَّسيّ، بحيث يتولّى القادري بنفسه التواصل مع المدارس ومراكز الإيواء والبحث عن أماكن وجود الأُسر النازحة، وقد نجح في الوصول إلى أكثر من 335 طفلًا، فيما لا يزال يطمح إلى توسيع نطاق المبادرة لتشمل عددًا أكبر من الأطفال.
أمّا النشاط فلا يقتصر على الرسم فقط، بل تبدأ بإيجاد مساحة آمنة للحوار والتعارف، يُمنح خلالها كلّ طفل فرصة للحديث عن نفسه ومشاركة قصّته إذا أراد. بعدها يتحوّل اللقاء إلى الحديث عن الفن كوسيلة للتعبير والشفاء، في محاولة لتعريف الأطفال على قوّة الإبداع ودوره في مواجهة الألم وصناعة الأمل. وفي الجانب العمليّ، يقدّم عبد القادري أنشطة بسيطة ومحبّبة، كاستخدام طبعات مستوحاة من الورود والنباتات والفواكه لتزيين الأكياس التي توضع فيها الهدايا المخصّصة لهم. ثمّ يصل الأطفال إلى المرحلة الأساسية من اللقاء، حيث تُفتح أمامهم لفافة كبيرة من الورق للرسم الجماعيّ، ويُتركون ليعبّروا بِحريّة كاملة عمّا يشعرون به ويريدون قوله.
وقبل البدء بالرسم، يحرص الفنان على توجيه خيال الأطفال نحو صُور الطبيعة والحياة من عصافير وأشجار وألوان جميلة، في محاولة لنقلهم نفسيًّا من مشاهد الحرب والدمار إلى فضاء أكثر هدوءًا وجمالًا. كما يشاركهم شيئًا من تجربته الفنية الممتدة لأكثر من عشرين عامًا، ساعيًا إلى غرس الحسّ النقديّ في نفوسهم، وتعريفهم على الفن بوصفه رسالة إنسانية قادرة على صناعة التغيير.
الجدير بالذكر أن القادري لاحظ تفاعلًا لافتًا من الأطفال الذين يندمجون في الأنشطة بعفوية وصدق يفوقان التوقعات. وسرعان ما تتحوّل جلسات الرسم إلى مساحة فرح واكتفاء بالنسبة إليهم، حيث يظهر شغفهم الكبير بالمشاركة ويعبّر كثيرون من بينهم عن رغبتهم في تكرار اللقاءات أو زيارة الفنان لهم مجدّدًا.
دور الفن جوهريّ
يرى الفنان التشكيليّ عبد القادري أن دور الفن لا يقتصر على دعم الأطفال فحسب، بل يمتدّ نحو الإسهام في تحسين المجتمع والإنسان عمومًا، مستندًا إلى مكانة الفن في مختلف الحضارات عبر التاريخ بوصفه جزءًا من هويتها وتطوّرها. أمّا بالنسبة إلى الأطفال، فيعتبر أن الفن يشكّل إحدى لغاتهم الأولى والطبيعية في التعبير، إذ يسبق الرسم أحيانًا القدرة الكاملة على الكلام ويعكس ما يختزنه الطفل من مشاعر وأفكار بعفوية صادقة. أمّا على مستوى السلوك، فيلفت القادري إلى أن أطفالًا كثيرين يبدأون اللقاء بحالة من التوتر أو النشاط الزائد، وأحيانًا تظهر بينهم حساسيات اجتماعية بسيطة، لكن المشهد يتغيّر تدريجيًا بعد فترة قصيرة من الحوار والعمل الفني، ليصبحوا أكثر هدوءًا وتعاونًا وانفتاحًا على بعضهم البعض.
عن اللحظات الإنسانيّة التي طبعت هذه التجربة، يرى القادري أنها كثيرة ومؤثرة إلى حدّ يصعب معه اختيار موقف واحد. غير أن بعض الكلمات يبقى عالقًا في الذاكرة، ومنها سؤال أحد الأطفال له عمّا إذا كان والده سيتصل به يومًا ما، في مشهد يلخّص حجم الفقد الذي يحمله بعض هؤلاء الصغار بصمت.
كما يلفت القادري إلى حضور عدد من الأطفال من ذوي الاحتياجات الخاصة في معظم المدارس والمراكز التي يزورها، مؤكدًا حرصه الدائم على إشراكهم في الأنشطة والتواصل معهم، رغم ما يرافق ذلك أحيانًا من تحدّيات تتعلّق بصعوبة الاندماج في بعض الحالات. مع ذلك، تبقى محاولة احتضانهم وإشراكهم في الأنشطة جزءًا أساسيًا من الرسالة الإنسانية التي تقوم عليها المبادرة.
تحدّيات كثيرة
نسأل عبد القادري عن التحدّيات التي واجهها في إعداد هذه الأنشطة وتنفيذها، فيجيب أن أبرزها التنقل في ظلّ ظروف الحرب، إضافةً إلى خوض تجربة العمل مع الأطفال للمرّة الأولى، مشيرًا إلى أن خبرته كأب ساعدته جزئيًّا في التعامل معهم، في المقابل خصوصيّة كلّ طفل واختلاف ظروفه وتجربته فرضا جهدًا مضاعفًا وصبرًا كبيرًا. وأضاف أن طبيعة الأماكن التي احتضنت الأنشطة شكّلت تحدّيًا آخر، إذ إن العديد من المراكز لم تكن مهيّأة أصلًا لِورش فنية أو تربوية، لذلك، كان عليه أن يُجهّز بنفسه الأجواء المناسبة من خلال حضوره الإنساني وقدرته على التواصل.
ينظر الفنان التشكيلي عبد القادري إلى الفن بوصفه أسلوب حياة قبل أن يكون مجرّد مهنة، هو المعروف باهتمامه الدائم بالقضايا الاجتماعية والإنسانية والسياسية. ويكشف عمله حاليًا على تحويل أعمال الأطفال ورسوماتهم إلى كتب فنية يشارك فيها فنانون آخرون عاشوا تجارب مشابهة من خلال مداخلات إبداعية، على أن تُعرض هذه الإصدارات لاحقًا للبيع بهدف تخصيص ريعها لمساعدة عائلات الأطفال ودعمهم.


