يضجّ تاريخ الشعوب والأمم بالصراعات والنزاعات والحروب. بالكاد تمرّ مرحلة موَقّتة من السلام الحذر في بقعة ما على وجه المعمورة، حتى تشقّ حمم تضارب المصالح طريقها نحو فوهة البركان. من يقرأ التاريخ يدرك يقينًا أن حقبات السلام ليست سوى فترات انتقالية بين حرب وأخرى، وكأنها استراحات قصيرة لالتقاط الأنفاس بين أشواط مسابقة مميتة ولا متناهية على القيادة. لطالما تصادمت الإمبراطوريات عبر التاريخ، بطرق مباشرة وغير مباشرة. وترتّبت على تلك المواجهات الطاحنة أكلاف بشرية ومادية باهظة، ما يدفع المؤرخين والفلاسفة إلى جلد الطبيعة البشرية التي لا تتعلّم من خطاياها، بل تواصل الانغماس في الدوامة القاتلة نفسها. واليوم، تقف الولايات المتحدة والصين أمام استحقاقات جسيمة، ستختبر مدى قدرتهما على كسر هذه العجلة التي سحقت عظام ملايين البشر.
كانت معبّرة زيارة ترامب وشي أمس إلى "معبد السماء" في بكين، حيث كان أباطرة الصين يصلّون طلبًا لحصاد وفير. تأمّل الرئيسان المعبد وهما يفكّران في أفضل السبل لقطف ثمار جيوسياسية وجني مكاسب وازنة على رقعة الشطرنج الدولية. كلٌّ من ترامب وشي يريد أن يخلّده التاريخ بوصفه أحد أعظم الرؤساء الذين مرّوا على بلده. لكن العلاقة بين القوتين العملاقتين تتجاوز مسألة الصداقة الشخصية بين زعيمين، على أهميتها. التواصل الأميركي - الصيني والتفاعل بينهما سيحدّدان موازين القوى في النظام الدولي قيد التشكّل، وأي اضطراب على هذا الخطّ سينعكس على الكوكب بأسره. طرح الرئيس الصيني، الذي حذّر من مخاطر التعامل الخاطئ مع قضية تايوان، "سؤال القرن"، ألا وهو: "هل تستطيع الصين والولايات المتحدة تجاوز "فخ ثوسيديدس" وصياغة نموذج جديد للعلاقات بين الدول الكبرى؟".
ليس من السهل الإجابة عن هذا السؤال الجوهري. المستقبل وحده كفيل بإعطائنا إجابة قاطعة عن الأمر. إلا أن جردة حساب سريعة لسجل المواجهات بين القوى الصاعدة والقوى المهيمنة لا تجعلنا نتفاءل كثيرًا بما قد نشهده في الغد. ورغم كلّ ذلك، فإن الحرب ليست حتمية، بيد أنه يتوجّب على واشنطن وبكين أن تنجحا باستمرار في اتباع "معادلة دقيقة" بينهما. وهذه مهمّة بالغة الصعوبة، خصوصًا أن قضية تايوان تلقي بظلالها على مقاربتهما الاستراتيجية المتضاربة لمنطقة المحيطين الهندي والهادئ. لقد صارت بكين أكثر جرأة مع الوقت في سياساتها الخارجية. لم تعد الصين تتوارى عن المشهد وترصد من الخلف، بل أصبحت مندفعة نحو الأمام، ولو بهدوء حتى الآن، لتحقيق غاياتها. لكن ماذا لو قرّرت بكين غزو تايوان في لحظة ثقة زائدة مبنية على تقديرات مغلوطة؟
سقوط تايوان في قبضة الصين سيمهّد لانفلاش تدريجي للسطوة الصينية على حساب نفوذ واشنطن وحلفائها في تلك المنطقة. إذا أفلح جيش التحرير الشعبي في احتلال الجزيرة بطريقة خاطفة وسريعة، قد يتأجّل سيناريو "حرب عالمية" إلى موعد آخر. أقول: قد. لكن فرضية إفشال تايوان لموجة الغزو الأولى تبقى واردة، وستفتح عندها الباب أمام احتمال حصول تدخّل عسكري أميركي وإقليمي ضد الصين، ما سيؤدّي إلى الانحدار في "فخ ثوسيديدس". وفي حال اندلاع حرب كهذه، ستبدو كلّ الحروب الأخرى مجرّد ساحات ساخنة لا ترتقي إلى هول صدام "نهاية الأزمنة". هناك قول منسوب إلى كيسنجر مفاده أن المفكّرين الصينيين طوّروا فكرًا استراتيجيًا يولي أهمية كبرى لتحقيق النصر عبر التفوّق النفسي ويدعو إلى تجنّب الصراع المباشر. نأمل ألا يحيدوا قيد أنملة عن هذا الفكر. لننتظر، وسنرى حين تدقّ ساعة الحقيقة.