ايلي الياس

من طهران إلى بيروت: كيف وُلد "حزب الله" كأداة قمع لا كحركة تحرّر؟

4 دقائق للقراءة

كثيرا ما يُقدَّم "حزب الله" في الوعي العام اللبناني، وخصوصًا لدى مؤيديه، بوصفه نتاجًا محليًا فرضته ظروف الاحتلال والحرب والحرمان. لكن هذه الرواية، على شيوعها، تخفي الأصل الحقيقي للمسألة. فـ "حزب الله" قبل أن يصبح اسمًا لبنانيًا، كان تجربة إيرانية بامتياز: أداة شارع، وعصبًا عقائديًا، ووسيلة لإخضاع المجتمع، لا مجرد تنظيم سياسي أو مقاوم. ومن يفهم كيف استُخدم "حزب الله" في إيران، يفهم بسهولة أكبر كيف نُقلت الفكرة إلى لبنان مع ما رافقها من بنية ذهنية وتنظيمية وأمنية.

الثورة الإيرانية عام 1979 لم تكن في بدايتها ثورة إسلامية خالصة كما جرى تصويرها لاحقًا. كانت انفجارًا اجتماعيًا وسياسيًا شارك فيه العمال والطلاب والفقراء واليسار ورجال الدين وفئات واسعة ناقمة على نظام الشاه. الخميني لم يصنع وحده تلك الثورة، ولم يكن في لحظاتها الأولى ممسكًا وحده بالشارع أو بالدولة. لكن ما حدث بعد سقوط الشاه هو بيت القصيد: القوى الملتفة حول الخميني نجحت تدريجيًا في اختطاف الثورة، لا عبر التفوق الفكري أو الديمقراطي، بل عبر بناء أدوات قمع موازية للدولة، كان "حزب الله" واحدًا من أبرزها.

في إيران، لم يكن "حزب الله" حزبًا منظمًا بالمعنى المؤسسي، بل مجموعات مفككة تتحرك من المساجد وتنتشر في الأحياء والجامعات والشوارع. كانت مهمتها واضحة: ضرب الخصوم، ترهيب المعارضين، مهاجمة الصحف، تفريق التظاهرات، وفرض الأمر الواقع باسم الدين والثورة. أي أنها لم تنشأ لتفتح المجال العام، بل لإغلاقه. ولم يكن أفرادها يتصرفون كجمهور مؤمن عفوي، بل كقوة صدامية تعمل حيث تعجز السلطة الرسمية أو لا تريد أن تظهر بوجهها المباشر.

هذه الجماعات كانت الذراع التي استخدمها الخمينيون في لحظات الحسم. بها ضُرب اليسار. وبها فُرضت "القيم الإسلامية" بالقوة. وبها شُنّت الهجمات على النساء الرافضات للإكراه الاجتماعي. وبها أيضا فُتحت "الثورة الثقافية" على الجامعات، حيث جرى اقتحام الحرم الجامعي، وضرب الطلاب، وقتل بعضهم، ثم إغلاق الجامعات لسنوات وإعادة كتابة المناهج بما يناسب السلطة الجديدة. هنا تتضح الحقيقة الأساسية: "حزب الله" لم يكن تعبيرًا عن تديّن شعبيّ بريء، بل عن مشروع سلطة احتاج إلى ميليشيا عقائدية تعمل بين الدولة والشارع، وتحسم حيث لا تكفي الخطب والشعارات.

والأهم أن نجاح هذا النموذج لم يقم فقط على الحماسة الدينية، بل أيضًا على ربط الانتماء العقائدي بالترقي داخل النظام الجديد. فمن التحق بهذا الخط نال نفوذًا ووظيفة ومكانة وشرعية. ومن هنا تحولت "الحزب اللهية" إلى أكثر من مجرد تعبئة مذهبية: صارت سلّمًا للسلطة، وأداة لإعادة توزيع القوة داخل المجتمع والدولة. لقد نجح الخمينيون في إنتاج كتلة ترى في الطاعة العقائدية طريقًا للصعود، وفي قمع الآخرين واجبًا ثوريًا وأخلاقيًا.

عندما انتقلت هذه التجربة إلى لبنان، لم ينتقل فقط الاسم أو الشعار الديني أو صورة "المقاومة". الذي انتقل فعليًا هو النموذج نفسه: تنظيم عقائدي فوق الدولة، يعتبر نفسه صاحب الحقيقة الحصرية، يربط السلاح بالمشروعية، ويوظف المجتمع كبيئة تعبئة دائمة لا كمجال تعددي مفتوح. ومن هنا، فإن "حزب الله" في لبنان لا يمكن فهمه فقط من خلال الصراع مع إسرائيل، بل أيضًا من خلال جذره الإيراني الأول: أداة أُنشئت لحماية سلطة عقائدية وتصفية خصومها وإعادة تشكيل المجتمع على صورتها.

لهذا السبب، فإن النظر إلى "حزب الله" اللبناني باعتباره مجرد حركة مقاومة محلية هو تبسيط مخلّ، بل تضليل سياسي. فالأصل الإيراني يكشف أن المسألة أعمق بكثير: نحن أمام استنساخ لتجربة قامت منذ البداية على استخدام "مشاة العقيدة" للهيمنة على الشارع، ثم على المؤسسات، ثم على الدولة نفسها. وفي اللحظة التي يصبح فيها السلاح وسيلة لتحديد من هو الوطني ومن هو العميل، من هو المؤمن ومن هو المنحرف، نكون قد غادرنا السياسة ودخلنا عالم السيطرة العقائدية.

الحقيقة: "حزب الله" لم يولد، في أصله الإيراني، كحركة تحرّر، بل كأداة ضبط وقمع وتطويع. وعندما انتقل إلى لبنان، نقل معه هذا الحمض التأسيسي كله. لذلك فإن معركتنا معه ليست فقط على السلاح، بل على معنى الدولة، وعلى معنى المجتمع، وعلى حق اللبنانيين في ألا يُحكموا بنموذج مستورد وُلد أصلًا لإلغاء التعدد وكسر السياسة.