هنري ضومط

جعجع وقراءة الاحداث بواقعية

3 دقائق للقراءة

في مقابلته الأخيرة مع سكاي نيوز، لم يتحدث سمير جعجع بلغة الشعارات، ما قدّمه كان قراءة سياسية واقعية لبلد استُنزف بالحروب، وأُنهك بالانهيار، ولم يعد يملك ترف الهروب من الحقائق. من هنا، تبدو أهمية المقابلة أنها كشفت مرّة جديدة أن الرجل، منذ عقود، لم يبدّل جوهر خطابه لناحية سيادة الدولة، حصرية السلاح، وضرورة أن يعود لبنان دولة فعلية لا ساحة مستباحة.

الواقعية التي تحدّث بها جعجع تنطلق من مسلّمة بسيطة ان لبنان لم يعد يحتمل استمرار الحرب، ولا يحتمل استمرار "اللاحرب واللاسلم"، ولا يحتمل أن يبقى رهينة مشروع إقليمي صادر قراره الوطني لعقود. فالخيارات التي فرضها حزب الله على لبنان، من فتح الجبهات إلى ربط البلاد بمحاور الخارج، لم تنتج تحريراً ولا ازدهاراً ولا استقراراً، بل قادت إلى دمار اقتصادي، عزلة عربية، خسائر بشرية، وانهيار مؤسساتي شامل. وبعد كل هذا المسار، لم يبق أمام لبنان إلا طريق واحد وهي الخروج من منطق الحرب عبر التفاوض الذي تقوده الدولة اللبنانية الشرعية.

من هنا، علّقت مصادر مطلعة على كلام جعجع باعتبار ان مقاربته للمفاوضات مع إسرائيل باعتبارها "مفاوضات ضرورة"، تعبّر عن فهم عميق للواقع. فهي ليست انقلاباً على الثوابت الوطنية، بل اعتراف بأن البلد وصل إلى حافة الهاوية، وأن وظيفة القيادة المسؤولة إيجاد مخارج فعلية. عندما تصبح الدولة عاجزة، والاقتصاد مدمّراً، والحدود سائبة، والمجتمع منهكاً، فإن التفاوض يصبح أداة إنقاذ لا تهمة سياسية.

الأهم أن هذا الكلام ليس جديداً على جعجع. فمنذ سنوات طويلة، حذّر من منطق الدويلة داخل الدولة، ومن خطورة ازدواجية القرار العسكري، ومن تحويل لبنان إلى منصة صراعات لا قدرة له على تحمّلها تتابع المصادر، وتعتبر انه يومها تعرّض لهجوم واسع، واتُّهم بالمبالغة أو الارتهان أو سوء التقدير. لكن الأحداث المتتالية، من الانهيار المالي إلى الحروب المتكرّرة، أظهرت أن تشخيصه كان الأقرب إلى الواقع، وأن ما قيل عنه إنه تشدد، كان في الحقيقة استشرافاً مبكراً لمسار الانحدار.

لهذا السبب تحديداً، وبحسب المصادر نفسها تتجه اليوم أنظار وسائل الإعلام الأحنبي إلى معراب. فحين تتكاثر الأزمات، يبحث العالم عن الأصوات التي حافظت على ثباتها ولم تتورط في تبديل مواقفها مع تبدّل الموازين. الثقة لا تُصنع في يوم واحد، بل تتراكم من خلال وضوح الرؤية واستمرارية الموقف. وهذا ما يفسر تنامي الحضور السياسي والإعلامي لجعجع في هذه المرحلة، مقابل تراجع حضور قوى أخرى استُهلكت شعاراتها وسقطت رهاناتها.

في السياسة اللبنانية، كثيرون بدّلوا مواقعهم تبعاً للرياح. أما جعجع، سواء اتُّفق معه أو اختلف، فقد حافظ على خط واضح، فيما يتخبط خصوم الأمس في تبرير نتائج خياراتهم، يتقدّم هو بوصفه أحد القلائل الذين لم يحتاجوا إلى إعادة كتابة خطابهم.

قد لا يحب البعض هذه الحقيقة، لكن الوقائع تفرض نفسها، بعد أن جُرّ لبنان إلى مهالك الحروب، لم يبق أمامه سوى الواقعية المسؤولة، كخيارات جعجع.