الشعور بالحزن والإحباط شائع في الفترات التي تشهد أزمات وحروبًا، خصوصًا أن الأهداف الشخصية والمشاريع كالسفر والزواج وغيرهما تتأجّل إلى أجل غير محددّ. ويختلف وقع الخيبة بين شخص وآخر بحسب تفاعله معها، فإمّا يكون وقعها بسيطًا عابرًا أو حادًّا.
وحين تتكرّر التجربة تؤدي إلى تقلبات مزاجية حادّة أحيانًا. وعلى رغم أنها صادمة ومؤلمة، إلا أنها تجربة طبيعية يمكن أن يختبرها أي كان.
تنتج خيبة الأمل وفق تفسير عبلا غطّاس، أخصائية في علم النفس العيادي والمرضي عن أحداث لا نستطيع السيطرة عليها كالحروب والأزمات والموت والخسارات والتغيّرات المفاجئة وعدم الاستقرار في حياتنا اليومية، ما يشبه إلى حدّ بعيد ما نعيشه حاليًا في لبنان، ويزيد الضغوط النفسية ومشاعر الخوف والقلق والتقلبات المزاجية.
وعن كيفية تفاعل كلّ منا مع خيبة الأمل، تشير غطّاس إلى أن لكلّ إنسان مشاعره الخاصة وشخصيته والمرونة التي اكتسبها بفضل المعلومات التي تلقاها في نشأته، إضافة إلى تجاربه السابقة وخيبات الأمل المتكررة وكيفية تخطيه للمراحل الصعبة بحضور الدعم العائلي والاجتماعي.
وتضيف: "يأتي الشعور بالخيبة أحيانًا أقوى من الحزن بسبب الضغوطات الحياتية وعدم القدرة على التحكّم بكل الظروف وبسبب ارتباطه بالحدث بنفسه. أمّا الأسباب الأساسية التي تؤدي إليه فتتمحور حول الإحساس بالخداع وانكسار التوقعات، والفقدان المعنوي أي خيبة الأمل بشخص آخر".
وترافق خيبة الأمل أفكار سلبية مثل الشكّ في القدرات الذاتية ما يؤدي إلى إحساس بالفشل والإحباط، وتترسّخ الأفكار السلبية أكثر بسبب التوقّعات المخيبة للآمال.
وعن تأثر الصحة النفسية عند تكرار الخيبات تقول: "قد يختبر الشخص خيبات أمل متعددة إنما شخصيته ومرونته المكتسبة تساعده على تخطيها والاستمرار. أمّا إذا تكررت من دون القدرة على التعامل معها، مترافقة مع أحداث قاسية، فإنها تؤدي إلى حزنٍ وإحباط ويأس وشعور بالاستسلام وتفكير مترسّخ بأنه ليس جيّدًا بما فيه الكفاية. فينخفض تقديره الذاتي وثقته في القدرة على النجاح أو تحقيق أي هدف وتزداد مخاوفه في الوقوع بالدوامة مجددًا، فيؤجل مشاريعه لصالح الانعزال والابتعاد عن الناس، وتتراجع حماسته لتحقيق الأهداف حتى لو توافر الطموح، فاقدًا الطاقة والثقة لتتمظهر عنده أعراض الاكتئاب والقلق".
ومن النتائج التي تتأتى من خيبات الأمل المتكررة في العلاقة مع الآخرين، "اتخاذ الحيطة والحذر الشديدين في العلاقات وفقدان الثقة واعتبار أي شخص خيبة أمل محتملة ما ينعكس سلبًا في العلاقات الاجتماعية".
وعن الخطوات المساعدة للتخلص من انعكاسات هذه التجربة على الصحة النفسية تقول: "إن من يتلقى الدعم النفسي المناسب ويعيش تجارب إيجابية جديدة يستطيع تخطّي حالة الإحباط. ومن أولى الخطوات الأساسية المساعدة أيضًا تسمية المشاعر والتعبير عنها بالكتابة أو الفنون، والتحدث عنها مع شخص موثوق، وعدم التنكّر للمشكلة ما يساعد على تقبّل المشاعر لتحقيق التعافي، والتركيز على الحلول واستخلاص العبر بدلًا من التوقف عند الخيبة ولوم الذات والآخرين، ما يحقق التطوّر الذاتي والتوازن بين التجربة والأهداف التي يسعى لتحقيقها. ومن المهم إعادة تقويم التوقعات لتكون واقعية أكثر ما يساهم في تحقيق المرونة بدلًا من المثالية المبالغ فيها. من جهة أخرى، يجب تعزيز الدعم الاجتماعي كالعائلة والأصدقاء والعناية بالذات عبر الغذاء السليم والنوم الجيّد".
وتوضح غطاس بأن كبت المشاعر وعدم التعبير عنها والتعامل معها بطريقة صحية تسبب انفعالات سلبية وردود فعل مبالغ فيها، فيما يساعد تقبّل المشاعر على تجاوز خيبة الأمل وإعادة النظر بالقرارات والبحث عن الحلول وبالتالي إعادة التوازن إلى الحياة واستكمالها بطريقة صحيحة. وتتحدث عن الترابط ما بين الثقة بالذات والثقة بالآخرين، لافتة إلى أن كسرها يحتاج إلى وقت وخطوات من أجل استعادتها. وتنصح بتفكيك التجربة أي التفكير بالأحداث التي مرّت وأسبابها والمشاعر التي ترافقت معها، ما يفسح في المجال أمام النظر إلى الأمور بطريقة مختلفة من دون لوم أنفسنا أو ربط فشل تحقيق الأهداف بالهوية الشخصية لأن ذلك مدّمر للذات.
ولا تمحو التجارب السلبية والخيبات ما نجحنا سابقًا في تحقيقه، معتبرة أننا عند تفكيك الأحداث السلبية نرى الأمور الصالحة لوضع أهداف صغيرة قابلة للتحقيق، وعندها نعيد بناء ثقتنا بأنفسنا وبالآخرين باعتدال ومن دون تعميم. "يجب ألا نمنح ثقتنا دفعة واحدة بل يجب بناؤها تدريجًا وعلى مراحل بوعيٍ، كما بناء علاقة ناضجة تأتي نتاج خبرات وتجارب ومراقبة".
وعن أهمية التفكير المنطقي في تجاوز الخيبة، تقول: "قد يخفف من وطأة الخيبة لكنه لا يحول دون حدوثها. حيث أن المنطق يدفع الإنسان إلى التقويم عند وضع الأهداف بطريقة موضوعية ما يخفف من رفع مستوى التوقعات والمثالية المبالغة ويضع توقعات مختلفة. لكنه لا يتحكّم بالظروف الخارجية والأحداث اليومية وبالتالي لا يحول دون حدوثها".
وعن كيفية تحويل خيبة الأمل إلى فرصة للتعلّم والنضج، تجيب: "عندما يُكتسب الوعي الكافي لتحديد الخيارات والتجارب والتعامل معها، ويتم الانتقال من طرح الأسئلة إلى المبادرة فالتعلّم بهدف التغيير، عندها ننظر إلى خيبة الأمل من منظار التعلّم والنضوج واكتشاف الذات والانتباه".
وبالنسبة إلى دور العائلة والأصدقاء في تأمين الدعم، تعتبر غطّاس وجودهم مهمّ جدًا لتجاوز خيبات الأمل إن عبر التعاطف أو الإصغاء من دون حكم مسبق، وتقديم النصائح المناسبة والتشجيع على الاستمرار، وذلك لأن الشعور بالأمان يطغى على الشعور بالخيبة.
من جهة أخرى، ثمة من يفضّل عدم تدخل العائلة بشؤونه والانفراد للتحليل والتفكير بتجربته، لذا يجب عدم التسرّع بإبداء النصائح قبل الاطلاع على التفاصيل وعدم استخدام المصطلحات التي تخفف الآلام كـ "بسيطة" و "بتصير" لأن وجود العائلة والأصدقاء هو للدعم والمساعدة على تخطي الخيبة وليس للضغط أكثر.
